إعدام معمر القذافي

عبد الباري عطوان

عبد الباري عطوان

أن يخرج مئات الآلاف من الليبيين للاحتفال بمقتل الديكتاتور معمر القذافي، بعد استعادة مدينتي سرت وبني وليد آخر معاقلة، فهذا امر متوقع علاوة على كونه مشروعاً، لان ابناء الشعب الليبي عانوا، ولأكثر من أربعين عاما، من ظلمه وطغيانه وفساد نظامه، ولكن ما خيب آمالنا هي الطريقة غير الانسانية التي عومل بها الزعيم الليبي بعد اصابته وأسره، وكذلك بعض ابنائه والمقربين منه.

نحن مع الاحتفالات بسقوط الطغاة وأنظمة حكمهم، وعودة السلطة كاملة الى الشعب، صاحبها الحقيقي، ولكننا لسنا، ولا يمكن ان نكون مع قتل الأسرى، وجرجرة جثامينهم بالصورة التي شاهدناها جميعاً عبر شاشات التلفزة العربية، قبل الأجنبية.

العقيد معمر القذافي نزل من السيارة التي نقلته الى سرت وهو في صحة جيدة، وكان يمشي على رجليه، ولا آثار للإصابة في رأسه، ثم رأيناه جثة هامدة مضرجة بالدماء وهو في سيارة الاسعاف، مع تضارب كامل في الروايات حول مكان وكيفية العثور عليه، والظروف المحيطة بإصابته.

ديننا الاسلامي الحنيف، وتقاليدنا وقيمنا العربية التي نفتخر بها ونعتز، توصي بالعناية بالأسير، واكرام وفادته، وتضميد جراحه، هكذا اوصانا رسولنا محمد، صلى الله عليه وسلم، وهكذا فعل كل الصحابة وقادة جيوش الفتح المسلمين، وعلى رأسهم المجاهد الأكبر الناصر صلاح الدين الذي ضرب مثلاً للبشرية جمعاء في تعاطيه الاخلاقي مع الأسرى الصليبيين.

العقيد القذافي ارتكب جرائم، وخرج بذلك عن كل قيم الاسلام عندما عذب اسلاميين قبل ان يحرق اكثر من الف منهم في سجن ابوسليم، ولكن علينا ان نتذكر ان الثورة ضد نظامه اندلعت بفعل هذه الممارسات اللاإنسانية، وكنا نتوقع من قادة الثوار ان يقدموا لنا نموذجاً مختلفاً، وممارسات اكثر حضارية وانسانية في التعاطي مع الخصوم، ولكن توقعاتنا لم تكن في محلها للأسف.

ما نستشفه من التقارير الاخبارية المصورة التي وصلتنا حتى الآن، ان قراراً صدر بـإعدام كل، او معظم، رجالات العهد السابق، وعدم القبض عليهم احياء. وهذا يؤكد ما اعلنه السيد مصطفى عبد الجليل رئيس المجلس الانتقالي الليبي نفسه، من انه جرى رصد مكافأة مالية (مليوني دولار تقريباً) لكل من يقتل العقيد القذافي، وتوفير الحصانة الكاملة له من اي مقاضاة او ملاحقة قانونية على فعله هذا.

فليس صدفة ان يتوالى وصول جثث نجلي العقيد سيف الاسلام والمعتصم، وبعدهما ابوبكر يونس جابر وزير الدفاع الذي كان واجهة فقط، لم يمارس اي صلاحيات، وكذلك السيد عبد الله السنوسي رجل امن النظام القوي وولده او ولديه، ولم يؤخذ اي من هؤلاء بمن فيهم العقيد نفسه الى مستشفى قريب او بعيد لإسعافه.

انه اعدام بدم بارد، يعكس رغبة دفينة بالانتقام والثأرية لا يمكن ان تساعد في تأسيس نظام ديمقراطي حضاري يتماشى مع تطلعات الشعب الليبي وطموحاته. ممارسات تذكرنا بما جرى للأسرة الهاشمية في العراق بعد الاطاحة بنظامها بعد ثورة عام 1958 بقيادة المرحوم عبد الكريم قاسم ورفاقه.

الرئيس المصري حسني مبارك الذي لا يقل ديكتاتورية عن الزعيم الليبي المخلوع، عومل بطريقة انسانية يحمد عليها المصريون، فقد احضر الى المحاكمة على سرير، وجرى توفير افضل المحامين للدفاع عنه، وكذلك ابناؤه، وكبار المسؤولين في نظامه الفاسد، وهذا ما كنا نتمنى ان نراه في ليبيا الثورة.

سمعنا عضواً في المجلس الانتقالي يطالب بالقاء جثمان الزعيم الليبي في البحر لتأكله كلاب البحر، في مقابلة على شاشة محطة العربية، وشاهدنا آخر يصف الجثمان بأنه جيفة، وثالثاً يتباهى بأنه وجه اليه الاهانات، فهل هذا امر يعقل وديننا الحنيف وقيمه تنص على انه اللهم لا شماتة في الموت.

اعدام العقيد القذافي هو نهاية مرحلة وبداية اخرى، ولا نبالغ اذا قلنا ان ما هو قادم قد يكون الأصعب، لما ينطوي عليه من تحديات جسيمة نلخصها في النقاط التالية:

أولاً: العمل على تكريس الاستقلال والسيادة الليبيين في مواجهة اي نفوذ لحلف الناتو ودوله. فإذا كان هذا الحلف قد ساعد في اطاحة النظام الديكتاتوري وحمى المدنيين، فلا مانع من ان يكافأ بالاموال، وهناك اكثر من 160 مليار دولار من الودائع المالية في الغرب يمكن تخصيص مبالغ منها لهذا الغرض.

ثانياً: تسوية الخلافات المتفاقمة بين الجناحين الرئيسيين في المجلس الوطني الانتقالي، الاسلاميون من ناحية، والليبراليون من ناحية اخرى، واعطاء كل ذي حقه ودوره، حسب حجم تضحياته في هذه الحرب، ونحن نعرف حجم هذه الخلافات وضخامتها.

ثالثاً: نزع سلاح الميليشيات ودمج أفرادها في القوات الوطنية المسلحة، لان ليبيا تحولت في الأشهر الثمانية الماضية الى غابة سلاح، ولا يمكن ان يستقيم الأمن في ظل هذا الانتشار الكثيف للأسلحة، خارج اطار القانون. وسمعنا السيد محمود جبريل رئيس الوزراء يقول ان لا احد يستمع الى اوامره او يطبقها، وانه يحذر’من فوضى عارمة في البلاد.

رابعاً: لا بد من المصالحة الوطنية، والخطوة الاولى في هذا الصدد تتمثل في عدم التعاطي بمنطق المنتصر مع انصار النظام السابق، فالمجمتع الليبي مجتمع قبلي لا يمكن ان يقبل الاهانة والفوقية.

خامساً: الديمقراطية تعني الحكم الرشيد، وسيادة حكم القانون، والشفافية، والقضاء العادل المستقل والمساواة في توزيع الثروات، والعدالة الاجتماعية، واذا كانت قد وقعت اخطاء وتجاوزات فلا بد من علاج سريع لها، قبل ان تتفاقم وتتحول الى غضب وربما ثورة مضادة.

قد يجادل البعض، وهم كثر داخل ليبيا خاصة، ان ما حدث بالأمس هو نهاية دموية لنظام دموي، ولكن الشعوب العربية تريد نهايات وردية ديمقراطية انسانية لهذه الانظمة الدموية، تظهر الفارق بين ممارساتها وممارسات ممثلي الثوار الديمقراطيين، فشيم القادرين المنتصرين تتلخص في الترفع عن النزعات الانتقامية الثأرية.

ندرك جيداً انه في ظل الاحتفالات الكبيرة والمشروعة بسقوط نظام طاغية، تسود العاطفة ويتراجع العقل، ولهذا قد لا يعجب كلامنا هذا الكثيرين، ولكن نجد لزاماً علينا ان نقول ما يجب ان يقال، في مثل هذه اللحظة التاريخية في ليبيا.

* كاتب صحافي فسلطيني مقيم في لندن

مشاركة الخبر:

Facebook! Twitter! del.icio.us! Google! Techorati! Stumble!

تعليقات 9

  1. بنت ليبيا:

    القذافي بطل وشهيد وسيثبت التاريخ ذالك قداش اشتاحشناك يابابا معمر

    تاريخ نشر التعليق: 15/11/2011، على الساعة: 21:47
  2. العيد بالح:

    أبدا…لا يمكن أن ندّعي أنّنا نناشد الحريات والديمقراطيات وحقوق الإنسان ثم نأتي لنقتل أسيـر….وهل قام هؤلاء بمحاربة وحش بأساليب وحشية لا تمتّ للإنسانية، ولا نقول للإسلام بصلة….

    تاريخ نشر التعليق: 22/10/2011، على الساعة: 0:18
  3. Khalid:

    البارحة كان الجميع يدعم ثوار ليبيا بدون قيد او شرط، لكن اليوم وبعدما اصبح جليا ان القذافي والمعتصم تمت تصفيتهما، ظهرت اصوات تندد بذلك استنادا او استسنادا بالشريعة، فاصبح الشك يساور البعض حول صحة شعارات الثورة، واحس الثوار بهول الخطأ البليد الذي وقع، فانتقلوا ـ على الأقل على النت ـ من موقع الهجوم الى موقع الدفاع، وهو ما يفسر قيامهم بالتذكير بجرائم القذافي.

    هنا يجب التطرق الى وجهتي النظر انصافا للحق والحقيقة:

    ـ من يساوره الشك او الخوف، فهو على حق، لان ما وقع خطأ جسيم وبليد قلب الموازين نوعا ما. فليعلم الثوار ان ما يتداوله الاعلام الغربي منذ امس هو التمثيل بجثة القذافي بعد اغتياله. وصراحة، هذا لن يخدم كثيرا القضية.

    ـ أما من لا يرى عيبا فيما وقع، فله الحق ايضا، لان ما فعله القذافي في شعبه لم يكن هينا، ولم يعشه كل او جل المنددين سابقا. فالشعب الليبي اراد ان يطوي الصفحة باسرع وقت ممكن، ولو على حساب المحاكمة العادلة والديمقراطية.

    اما رايي، فهو ان مقتل هؤلاء المجرمين لهو خير لهم، لانهم تجنبوا الاذلال وعذاب الدنيا، لكن عذاب الاخرة اشد. ومنه، فيجب التعلم مما حدث، وعدم تحويل النصر الى خسارة ولو حبة خسارة.

    الان، يجب على الثوار تصحيح الخطأ بان يثبتوا للعالم ان كتابهم ليس اخضرا، وانهم قادرون على احلال العدل وعدم السماح لاي جان الافلات من العقاب.

    والنصر للاخوة الليبيين، فأهل مكة ادرى بشعابها، في آخر المطاف.

    تاريخ نشر التعليق: 21/10/2011، على الساعة: 22:44
  4. rajaabatta@yahoo.com:

    سحقا للظالمين ولكن هناك طرق لمعاملة الاسرى كلام جميل سيد عبد الباري عطوان

    تاريخ نشر التعليق: 21/10/2011، على الساعة: 20:16
  5. علي:

    عبدالباري عطوان
    من يمول صحيفة القدس العربي؟
    يجب أن تجيب على هذا السؤال
    خصوصا انه لا يوجد اعلان تجاري واحد
    كفى ضحكا على عقول الجماهير
    انت ألعوبة بيد اليهود
    مادخلك…. بالقذافي…. وكيف مات… ألا يكفي 50000 قتلهم هذا الطاغية

    تاريخ نشر التعليق: 21/10/2011، على الساعة: 13:25
  6. مصراوى:

    كلامك أ .عبد البارى هو ما يجيش فى صدور معظم العرب .. منتهى الهمجيه ولأذلال لكل الحكام العرب وأعطاء الأنطباع أن نهايتهم هكذا .. الأن نستطيع القول أن هناك صومال أخرى بدأت فى شمال أفريقيا وبمساعدة بعض الخونه العرب وعلى رأسهم قطر ببوقهم الجزيره أحدى أجهزة الموساد

    تاريخ نشر التعليق: 21/10/2011، على الساعة: 9:18
  7. مكسار زكريا : كاتب و شاعر جزائري Mekesser zakaria : Author:

    الحياة.
    ـــ

    لكل شيء بداية و نهاية … ، لكن من المؤسف هكذا بداية و نهاية …. ، هكذا حياة لا تشرف

    الإنسان … ،

    ـ بقلم : الكاتب ، الأديب ، الشاعر و الفيلسوف الكبير / مكسار زكريا

    تاريخ نشر التعليق: 21/10/2011، على الساعة: 2:35
  8. نزهة-المملكة المغربية:

    طبعا كلام منتظر ممن كان ياخذ علاوات من القذافي كل شهر.
    لو صمتت لكان احسن يا من وهب قلمه للشيطان.
    طبعا نحن مسلمين رغم انفك.يحزننا موت او قل مقتل اي مسلم.لكن هل فكرت في كل تلك الاسر التي لم تقم بعد عزاء ابنائها الشهذاء او ان سياسة الكيل بثلاث او اربع مكاييل يناسبك.
    ما ادرانا ان تكون الرصاصة التي انهت حياة القذافي جاء سهمها من اتباعه كاستراتيجية اتخذها هؤلاء كي يستروا ما يمكن او يذوبوا مع الجماعة بدون لفت الانتباه.
    كتاب الزمن الرديئ.
    هنيئا للشعب الليبي العظيم….فليسكت ذو الاقلام المباعة سلفا….لمن كان …طامعين في ما سيكون…
    ولن يكون…فجر العرب ات…و الشمس ستشرق من جديد…لاننا نستحق.

    تاريخ نشر التعليق: 21/10/2011، على الساعة: 0:15
  9. rabah:

    خيرا قلت
    التعامل مع القذافي و أبنائه و رجال نظامه لا يمت لا للإسلام و لا للدين و لا للإنسانية بصلة

    تاريخ نشر التعليق: 20/10/2011، على الساعة: 23:52

أكتب تعليقك