“نائم” في البرلمان

محمد أبو عبيد

محمد أبو عبيد

قد يكون مبرَّراً سبب نوم بعض أعضاء “البرلمانات” العربية، وإن كان النوم بحد ذاته غير مبرر تحت تلك القباب، وإلا سيصبح النائب في البرلمان هو النائم فيه. فلعل الديباجات في الخطابات العربية الرسمية، والنيابية تبث النعاس، أصلاً، في من استيقظ لتوِّه نشطاً من نوم عميق.

حال الكثير من “البرلمانات” العربية، والتي تنتحل مجازاً هذا الاسم نظراً لعدم فاعليتها، لا تنشز عن حال الواقع العربي، لأنها جزء من المشهد العام، وأحياناً هي “رجْعُ” ذاك المشهد.

فعلاوة على أن بعضها مجرد أداة من أدوات النظام الحاكم، بدلاً من كونها جهة تشريعية، وتغير أو تعدل أو تلغي فقرات من الدستور بأمر من “الحاكم بأمر الله”، فهي تجسيد أيضاً للعشائرية وللتوريث النيابي، كما السياسي، كما العقاري، كما حتى التوريث المرضي، فلم يعد من العجب العجاب أن يصل شاب إلى كرسي البرلمان، ليس عن جدارة، إنما لأن والده الراحل، مثلاً، كان يجلس على ذاك الكرسي اللاصق.

تماماً مثلما يصل العديد من أعضاء البرلمانات العربية وفقاً للجدارة العشائرية والقبلية، وأيضا وفقاً لحجم المال الذي بذخوه لشراء الأصوات، مصحوباً بالولائم في الميادين العامة، والتي ترفع مستوى الكوليسترول. فربما أدلى عابر سبيل بصوته المُشْتَرى إلى المرشح الفلاني، دون أن يعلم، أصلاً، ماهية هذه الانتخابات، ومعنى أن يكون له ممثل يطالب له بحقوقه. فلنا أن نتخيل، إذنْ، برلماناً قائماً في معظمه على جزل العطايا “القروشية”، والهدايا “الكروشية”.

إن “برلمانات” تتشكل من أعضاء دخلوها آمنين بهذه الطرائق، حتما لن تكون جهات ممثلة حقاً لشعوبها، خصوصاً أن بعض الأعضاء يقزم تمثيله النيابي إلى تمثيلٍ عن أمه وأبيه، وأخته وأخيه، وعشيرته التي تأويه، عوضاً عن أن يكون بالفعل ممثلاً لشريحة مجتمعية قد تكون من فقراء، أو عمال، أو فلاحين، أو شريحة نسائية مهمشة، وغير ذلك الكثير.

وتبلغ بعض هذه “البرلمانات” شأواً مضحكاً حين يطرح بعض الأعضاء قضايا لا تثار إلا في البرامج الفنية عبر الفضائيات، مثل قضية غناء فنانة عربية في هذا البلد أو ذاك، وكأنها قضية تهدد الأمن القومي، وكان من الأولى، مثلاً، إثارة قضايا لها علاقة بالصرف الصحي، بالمشافي المقصرة، فلن يألوَ “البرلماني” العربي جهداً في البحث عن قضايا باعتبارنا مضرب المثل في ما يتعلق بالتقصير والإجحاف بحق المواطن العربي.

ثمة “صرعة” صرعتنا حديثاً في “برلماناتنا” وهي في “موديليْن” اثنين، الأول “موديل” العراك بالأيادي بين النواب في إيحاء إلى أن ما تحت هذه القبة ممارسة ديمقراطية على الطريقة الأوكرانية، مثلاً، والثاني عادة استجواب وزير على الصغيرة قبل الكبيرة، حتى لو كان استجواباً على استخدامه قلم الحبر بدل الرصاص, كي يوحي “النائب” للشعب أنه حريص على حقوقهم. لذلك سيغفو زميله، النائب الآخر، تحت وطأة “القضايا المصيرية”، فيصبح “النائم” الذي انتخبته الولائم.

* إعلامي فلسطيني مقيم في دبي

مشاركة الخبر:

Facebook! Twitter! del.icio.us! Google! Techorati! Stumble!

أكتب تعليقك