صار عبئا على الثورة

فهمي هويدي

فهمي هويدي

لو أن اللواء حبيب العادلي لا يزال في منصبه وزيرا للداخلية، لما فعل أكثر مما فعله وزير داخلية “الثورة” مع المتظاهرين خلال اليومين الماضيين.

ولو أن حكومة الدكتور نظيف مازالت في السلطة لما فعلت غير الذي فعله المجلس العسكري في تعامله مع المشهد.

ولو أن أنس الفقي ظل وزيرا للإعلام لكانت توجيهاته للصحف القومية مطابقة لما عبرت عنه تلك الصحف التي صدرت، ولما اختلف بث قنوات التلفزيون الحكومي الذي ظلت مهمته محصورة في تبرير قرارات السلطة والتستر على عوراتها.

لقد ظلت بعض القنوات الخاصة تبث أحداث ميدان التحرير حتى الفجر ، الأمر الذي أتاح لنا أن نرى صورا تكاد تكون نسخة مما شاهدناه في شهر يناير الماضي،وطول نهاري السبت والأحد كانت الرسائل الهاتفية وتعلقيات مواقع التواصل الاجتماعي تنقل تفاصيل عدوان رجال الأمن المركزي على المتظاهرين والمعتصمين سواء في ميدان التحرير أو الشوارع المحيطة به،وكانت النتيجة أن ما شاهدناه سرب إلينا شعورا بالغضب حينا وبالمهانة أحيانا، حيث ما تصورنا أن تمر ثمانية أشهر على الثورة ضد نظام مبارك، ثم نجد أنفسنا في لحظة من الزمن نواجه نفس القمع ونسمع نفس السباب الذي قامت الثورة للتخلص منه وطي صفحته.

لذلك فإنني لم أستغرب، وإن انتابني شعور عميق بالمرارة والحسرة، حين سمعت تسجيلا متداولا ظهر فيه اللواء عمر سليمان في صورته الشهيرة التي قرأ فيها خطاب التنحية، لكنه أنبأنا بأن المجلس العسكري قرر التنحي عن السلطة وأنه سلمها إلى السيد حسني مبارك!

إلى هذا الحد ذهبت التعليقات وشوهت صورة الثورة وساءت سمعة المجلس العسكري، الذي ينبغي أن نعترف بأن رصيده لدى الرأي العام في تراجع مستمر، وكلما طالت مدة بقائه في السلطة ازدادت أخطاؤه وانفض الناس من حوله، حتى أولئك الذين دافعوا عنه ووقفوا إلى جواره طول الوقت، وقد كنت واحدا منهم، لكني لا أخفي شعورا بالإحباط والحيرة، أسهمت فيه الممارسات غير المفهومة التي يصعب الدفاع عنها.

لن أتحدث عن حادثة ماسبيرو التي قتل فيها نحو 25 شخصا، ومازلنا حتى الآن لم نعرف من هو الطرف الثالث الذي تدخل لإطلاق النار وإثارة الفتنة، الأمر الذي ظل لغزا يفتح الباب لإساءة الظن، خصوصا أن جهدا كبيرا بذل لتبرئة الشرطة العسكرية وإثبات أن أفرادها لم يكونوا مسلحين، لكننا لم نلمس جهدا في الإثبات يعادل ما بذل للنفي.

ومازلت غير قادر على فهم إجراءات أخرى تم فيها تلفيق التهم لعدد من الشبان الوطنيين والإصرار على إحالتهم للقضاء العسكري وتمديد احتجازهم بغير مبرر.

كما أنني لم أفهم ذلك التدليل المستغرب لرموز النظام السابق، في الوقت الذي يعامل فيه شباب الثورة بقسوة تبعث على الدهشة.

أما ما ضاعف من الدهشة والاستغراب فهو ذلك القمع الذي تعرض له عشرات المعتصمين السلميين الذين بقوا في الميدان بعد انتهاء حشود يوم الجمعة،ذلك أن الميدان كان قد تم تنظيفه صباح ذلك اليوم بواسطة بلدية العاصمة في وجود خمس أو ست خيام، وكان يمكن أن تعود الحياة فيه إلى طبيعتها دون أن تعرقل تلك الخيام حركة المرور.

لكن المعتصمين فوجئوا في العاشرة صباحا تقريبا بهجوم مباغت من قوات الأمن المركزي التي انقضت على الخيام وساكنيها فأزالت الأولى وانهال أفرادها على المعتصمين بالصواعق الكهربائية وبالضرب والسحل والسب. بعد ذلك انسحبت القوات من الميدان بعد إخلائه.

شهود العيان الذين سألتهم اتفقوا على أن المعتصمين الذين طردوا من ميدان التحرير عادوا إليه مرة أخرى مسكونين بالغضب ومشحونين بالثورة على الذين أغاروا عليهم. وهم في هذه الحالة مرت بالميدان سيارة ترحيلات فارغة تابعة للشرطة، فتصدوا لها وقاموا بإحراقها.

وحينذاك عادت قوات الأمن المركزي مرة أخرى بأعداد كثيفة وقامت بالتصدي للغاضبين الذين تزايدت أعدادهم بعد انتشار أنباء القمع الذي تعرضوا له. فالذين كانوا عشرات أصبحوا مئات عند الظهيرة، وتحولوا إلى ألوف في المساء،وهؤلاء اشتبكوا مع قوات الأمن المركزي التي لم تتردد في استعمال القنابل المسيلة للدموع والرصاص المطاطي وطلقات الخرطوش.

وسقط من سقط من الجرحى وقتل واحد في القاهرة وسمعت عن اثنين في الإسكندرية،وظلت قوات الأمن المركزي مهتمة بأمرين أولهما تأمين مقر وزارة الداخلية والثاني ملاحقة المتظاهرين وتشتيتهم.

ظهر داك اليوم تلقيت نداءا على هاتفي المحمول يدعو «شرفاء الوطن» للتوجه إلى ميدان التحرير لمواصلة الثورة، الأمر الذي ينبئ بأن سلوك الأمن المركزي مس جرحا عميقا لدى الناس وجدد شعورهم بالإهانة الذي كان أحد أسباب التحاقهم بالثورة.

الوقائع تروى بعدة طرق، وليست أمامنا فرصة للتثبت من شيء، أو للتعرف على الحقيقة ومن ثم محاسبة المسؤول الذي أشعل الحريق وأججه،لكن الذي نعرفه أن أحدا لم يتوقع أن يحدث ذلك كله بعد مضي ثمانية أشهر على الثورة،وأن المجلس العسكري بدأ حاميا للثورة ثم أصبح عبئا عليها.

* كاتب و مفكر مصري

مشاركة الخبر:

Facebook! Twitter! del.icio.us! Google! Techorati! Stumble!

أكتب تعليقك