انتخابات المغرب..استقيموا يرحمكم الله

محمد واموسي

محمد واموسي

يقبل المغاربة على انتخابات تشريعية هامة تعد الثالثة في عهد الملك محمد السادس والتاسعة بعد استقلال المغرب،تشير أغلب التكهنات و الإستطلاعات إلى أن الإسلاميين الرسميين متمثلين في حزب العدالة و التنمية ذو التوجهات الإسلامية،سيكتسحون نتائجها على شاكلة ما حققه حزب النهضة الإسلامي في تونس.

و قبيل موعد الإنتخابات سارعت ثمانية أحزاب علمانية إلى التحالف و التوحد تحت اسم “جي ثمانية” ضد حزب العدالة و التنمية ذي التوجهات الإسلامية،وكأن الحزب  – وبشكل دراماتيكي – سيحدث تسونامي انتخابي،يقوض أركان المشهد السياسي المغربي !،ولكأن على أنقاض هذا الأخير، سيدشن الحزب أول برلمان إسلامي في تاريخ المغرب ، وسيشكل ذلك- بدون شك- “فتحا مبينا ”.

و باشرت الأحزاب السياسية الثمانية “يمينا” و ” يسارا ” تخصيب أفكارها لإنشاء تكتلات أو تحالفات انتخابوية ، لمواجهة هذا المد الأصولي ” الزاحف” ، نحو اكتساح جماعات الوطن وبرلمانه،كأن تلجأ إلى منهجية المرشح المشترك في ما يسمى في الشارع السياسي المغربي بـ ” دوائر الموت “.

تحالفات اليوم ، ذات هدف مرحلي و آني ، يتجلى في إحكام الطوق على الحزب الأصولي.كما أن الدولة في أحد السيناريوهات المرتقبة ستعمل جاهدة على قطع الطريق على حزب العدالة والتنمية، وضمان أغلبية برلمانية تؤمن استمرارية الطيف الحكومي الراهن، و إدخال بعض من التعديلات في توزيع الحقائب الوزارية و التي لن تمس جوهر الخيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية القائمة، وسيكون هذا الجهد ، بمثابة تمديد لعمر الحكومة الحالية بدعوى عدم إتمامها لما يسمى بـ”اوراش الإصلاح” “.

لقد كان بروز حزب العدالة والتنمية في المشهد السياسي المغربي ، حدثا تأسيسيا بامتياز ، باعتباره أسس لمرحلة جوهرية تندرج في سياق تدجين وترويض أطياف من حركة الإسلام السياسي بالمغرب، بعد أن تمكن المخزن المغربي في مراحل مختلفة من:

أولا : قمع وتفكيك تنظيمات الحركة الماركسية اللينينية في سبعينات القرن الماضي ،وخلق تيارات أصولية وشعبة إسلامية في الجامعات المغربية لمحاصرة اليسار الجديد ، والذي اختار معظم مناضليه اليوم ، العمل السياسي الديمقراطي بدل الخيارات الثورية المغامراتية .

ثانيا : بناء أحزاب إدارية تدور في فلك المخزن ،وهي التي يعتبرها علم الاجتماع السياسي ” أحزابا مهيأة لتشكيل أغلبية أو تحالف حكومي مقيم بالقرب من السلطة سواء كانت هذه الأحزاب متجهة نحو اليمين أو الوسط أو اليسار ” ،وهذا ما ينطبق جليا على الحالة المغربية .

ثالثا: احتواء أقطاب المعارضة السابقة ،التي كانت تعتبر أحزابا احتجاجية وإقحامها في مجازفات الإصلاح المعاق. كما حوت هذه ” الكماشة” المخزنية بعضا من مناضلي اليسار الجديد والمثقفين و “زجت” بهم – ليس في المعتقلات السرية طبعا – في مؤسسات استشارية وملكية .

رابعا: ضبط حركة الإسلام السياسي الجامحة والتحكم في مسارها من خلال الترخيص لبعض من أحزابها بالعمل السياسي المشروط والمراقب. دشن هذا التوجه بصفقة 1996 المبرمة لإنشاء حزب العدالة والتنمية ، بهدف استقطاب وامتصاص عناصر من تنظيمات متطرفة و بالتحديد جماعة العدل والإحسان.

خامسا : تمرير دستور سياسي جديد و بنسبة ساحقة أثارت الكثير من الجدل، خلف ردود فعل متباينة، فمن الأحزاب والجمعيات المدنية من أيدت مضامين فصوله بلاشروط مسبقة، ومنها من رفضته شكلا ومضمونا.

غير أنني أعتقد أن بناء حزب العدالة والتنمية لا ينحصر – فقط – في الصفقة الثلاثية التي تمت بين القصر وعبد الكريم الخطيب ذي السلالة المخزنية و حركة التوحيد والإصلاح ،إذا استوعبنا التطور العميق الذي مس هذه الحركة، بحيث أنها مرتبطة عضويا بمسار حركة الإخوان المسلمين في دول عديدة والتي تبنت العمل السياسي والبرلماني كما هو الحال في مصر والأردن وفلسطين.

و هذا يبرهن أن حزب العدالة والتنمية هو قطب من أقطاب حركة الإخوان المسلمين العالمية ،التي يستمد منها مرجعيته الإيديولوجية والتنظيمية ، وهو بالتالي ليس بمنأى عن التحولات والارتدادات والاهتزازات التي تصاحب مسار الحركة ، بدءا من مناوشة الأنظمة والسطوة على الجامعات والنقابات ، مرورا بما يسمى بـ” نبذ العنف ” إلى الجلوس على مقاعد البرلمان التي كانت تنعت بالأمس القريب ” رجسا من عمل الشيطان” .

غير أن انخراط حزب العدالة والتنمية في العمل السياسي، لن يزيح عنه الغطاء الديني ،الذي ييسر له استقطابا انتخابويا وبشكل نسبي تنظيميا ، إلا حين ستنهار ما تسمى ” برامجه ومشاريعه ” أمام واقع الزمن المغربي ، صاحب الأزمة البنيوية المستفحلة اقتصاديا واجتماعيا ، وصاحب ملكية تسود وتحكم ،وفي غياب فصل حقيقي للسلط وقضاء مستقل ونزيه، كما لا تعني الممارسة السياسية أن الحزب قد تخلص من جوهره الفاشي الذي عادة ما يعتبر بمثابة خلية نائمة في جسد حركة الإخوان المسلمين ، توقظ في زمن تختل فيه موازين القوى لصالحها . أو كما عبر عن ذلك د. عزيز العظمة قائلا : ( إن المعتدلين والمتطرفين لا يتفارقون إلا تفارق الآلات الموسيقية المختلفة التي تتناغم في نهاية الأمر في أدائها الاوركستري بخط موسيقي ناظم واحد هو إقامة سلطة دينية على المجتمع ) .

لماذا الرهبة من الحزب الأصولي ؟ ما دام أن الدولة المغربية هي صانعة العدالة والتنمية ، كما عودتنا في تاريخها الحافل بتفريخ ما قد اسميه أحزاب المرحلة، إلى من نقل أحزابا إدارية مخزنية، والشيء الذي جعلها “مهندسة” للتصدعات والانشقاقات داخل بنية الأحزاب السياسية ، من أجل تناسل حزبي يخدم المرحلة ويميع الحياة السياسية .

و قد كان من الممكن جدا للدولة أن تمنع إنشاء حزب أصولي بدعوى أن الحزب يرتكز على أسس دينية ، غير أنها سلكت نهجا مغايرا، لأن الحزب بالنسبة لها مجرد ورقة سياسية ، حتى يبدو المغرب –من خلال ذلك -ديمقراطيا وكأنه يوسع ويحترم الحريات العامة وحقوق الأفراد والجماعات في التنظيم، غير أن ذلك لا يفسر إلا باعتباره مجرد تعددية الواجهة.

لماذا الرهبة من الحزب الأصولي؟ وهو حزب ملكي بامتياز . لانه لا يطرح أية رؤية لمسألة الملكية في المغرب مغايرة عن ماهو سائد لدى الأحزاب الأخرى، وبالتالي فالحزب جزء من كتلة الملك، يتشبث بالنمط الملكي الراهن.

فالحزب الأصولي – إذن- يعتبر من الحرس الجديد للمقدسات في شقيها الأساسيين :

– الشق السياسي: إن الملكية في المغرب مقدس سياسي فهي سائدة وحاكمة دستوريا وعمليا ، والحزب يدافع عن هذا المقدس ،وأية تعديلات تمس هذا الكيان هي بمثابة تدنيس لثوابت الأمة .

– الشق الديني : إن حزب العدالة والتنمية ذي الأسس والمرجعية الدينية لا يزعجه احتكار الدولة للحقل الديني وضبطه ومراقبته وتنظيمه، في أجواء تحولت فيها المساجد إلى أوكار لصناعة الإرهاب والحقد والكراهية ، وهو ما يفسر إسراع الحزب إلى الدفاع عن إيمانية وإسلامية الدولة ضد تكفيرها ونعتها بـ “الطاغوت” من طرف التيارات الجهادية والتشبث بمقدس إمارة المؤمنين كمقدس ديني مواز للمقدس السياسي .

استقيموا يرحمكم الله..

* إعلامي مغربي مقيم في باريس

مشاركة الخبر:

Facebook! Twitter! del.icio.us! Google! Techorati! Stumble!

تعليق واحد

  1. mustapha:

    ان من الممكن تآويل الاراء المتناقضة في الحقل السياسي بالمغرب،بين مؤيد ومعارض. كل الاخبار المتداولة تدعو الى التغير ونشر قيم الديقراطية …وطرد شبح الطبقية نحن شباب هذا البلاد نطمح الى تحسين الاوضاع هنا.

    تاريخ نشر التعليق: 24/11/2011، على الساعة: 1:30

أكتب تعليقك