نحن و الوقت

يسرى بن ساسي

يسرى بن ساسي

الوقت في بلادنا العربية لا قيمة له،فهو مجرد من سطحها المادي و عمقها المعنوين و إذا كانت هناك الكثير من المتاعب و المصاعب التي تحكم حياتنا و تتربع على عرش اهتماماتنا و قمم  تطلعاتنا لإيجاد مخارج لها ..فلسوء تصرفنا في الوقت ولاستهتارنا في استغلاله شريك لا يستهان به في تعميقها و تأصيلها، و إنه لمن المؤسف أن أسهمه في تزايد مستمر.

الوقت في أوطاننا بدل أن يعير بالذهب كما في البلدان في المتقدمة –وهذا لا يتطلب منا  رصد ميزانية – نهدره في جملة ما نهدر و نصرفه فيما لا يعني، في جملة ما نصرف و نسرقه في جملة ما نسرق و الحقيقة أننا لا نسرقه و إنما هو من يسرق منا أحلامنا بالتقدم و التطور..

الموظف منا يتأخر في الصباح في الذهاب إلى عمله، و في العمل يضيع نصف الوقت في الأحاديث الزائدة و المهاترات الفارغة ،و في جيئة و ذهاب بلا طائل، و أكل وشرب دون حاجة و قبل أن يحين موعد انصرافه تجده كمن أفلت من سجن خانق تاركا وراءه طوابير المواطنين مخلفا تشنج الأعصاب و السخط و الحنق.

المستعمل فينا لوسائل التنقل العمومية يضيع وقتا لا بأس به في الانتظار قد يتجاوز مستوى ساعات انتاجه اليومي الفعلي في بعض الأحيان..العامل فينا و في أي قطاع كان  يبحث عن أي  فرصة يسرق فيها الوقت لا لشيئ إلا لإضاعته.

هذا الوقت يحسب بالدقيقة و الثانية عند غيرنا و بمنسوب الإنتاج أما نحن فننصاع لما اعتدنا عليه من تبذير له كأنما هو تركيبة انسانية محضة ..و لكننا لسنا إلا نهادن أنفسنا مهادنة مزيفة لأنه عامل مؤثركبير إما في نجاحنا أو في فشلنا و ذلك حسب مدى دقة أدوات قيسنا ..

لاتوجد عندنا إدارة لا يضيع فيها الموظف جزءا من وقت العمل في غيره و دونما أن يعتبر ذلك سرقة لموارد المجموعة الوطنية بل حقا مشروعا و مكتسبا و لا  توجد إدارة لا يضيع فيها المواطن ساعات من الانتظار إن لم تكن أياما و أشهرا و سنوات في روتينيات بسيطة و انتظر حتى يأتي هذا الموظف،و يوقع هذا المسؤول و أحيانا يستمسك المواطن رشده و يفلت منه في أغلب  الأوقات فإذا الاصوات تتعالى و إذا الشجار يحتد و أجواء العمل تشحن و تتعكر و إذا نحن نسترسل بذلك في إضاعة مزيد من الوقت..

حتى المرض و لو كنت تتلوى من الوجع لن يشفع لك في بلادنا ..ستنتظرالساعات في المستشفى مئات المرضى قبلك  ليس لك ملاذ أو مفر أو أي خيار آخر ..هو قضاء مسلط عليك عليك أن ترضى به كالمرض تماما يتناوبان عليك في رفع الضغط و إعلاء نسبة السكر في الدم ..

أما ما يسمى وقت الفراغ -و لئن كنا لا نحبذ هذا التعبير فيما يجب أن يحتويه  و يكون عليه هذا الأخير- و لكنه على أية حال تعبير يدل فعلا على نفسه عندنا فهو وقت نمضيه في الأشياء الفارغة و الساذجة  لا في ترفيه بناء يرتقي بذائقتنا و يسمو بوجداننا..

وقت الفراغ هو أكثر ما نملك في بلادنا ..و حسابنا فيه بلا حساب نرثه و نورثه و لا ندري فيم نفرغه ..و لكن المهم في النهاية أننا فعلا نتوصل إلى ذلك و بكل سهولة بمعية مضيعات الوقت و الملهيات و لكم هي عديدة  في عصرنا و متاحة لدينا اكثر حتى من الأكل و الشرب نفسه…

إننا لسنا ندري مأتى هذه “الثقافة السلبية” في إدارة الوقت و استغلاله استغلالا محكما و ممنهجا وفق أولويات حياتنا و مقدار ما يجب أن نفرده لكل حيز فيها من عمل و ترفيه و عبادة ..فتراثنا الحضاري الثقافي و الديني مضاد تماما لها و غني بمأثورات و حكم تبين عن وعي راسخ بقيمة الوقت و أهمية معرفة الاستفادة منه فماذا إذا كان القرآن الكريم  قد بين و نبه إلى ذلك إذ يقسم الله تعالى بالليل و الفجر و العصرو  في القسم لأنضى حجة و أقوى برهان على قيمته..و السنة النبوية الشريفة و فيما يقول الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة و السلام دليل أيضا وسند : “لن تزولا قدما عبد حتى يسأل عن أربع خصال عن عمره فيما أفناه و عن شبابه فيما أبلاه و عن ماله من أين اكتسبه و فيما أنفقه و عن علمه ماذا فعل به”

أما الفقيه العالم الحسن البصري فيقول يا ابن آدم إنما أنت أيام فإذا ذهب يوم ذهب بعضك إضافة إلى كثير من الحكم الأخرى التي يعج بها تراثنا كالوقت من ذهب و الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك و ما نقصت ساعة من دهرك إلا بقطعة من عمرك و غير ذلك كثير

فلم نعتبر إذن أكثر الأمم في الحاضر التي لا تستثمر وقتها و لا تحسن استخدامه و تنفقه إما كرها أو اختيارا فيما لا يعود عليها بالفائدة.

و إذا كان علينا الانكباب الآن و بجدية على وضع خطط استراتيجية مدروسة  في تنمية  اقتصادية تنهض بمختلف واجهاتها من زراعية و صناعية و خدمية من أجل تحسين مردود انتاجياتنا المحلية  كما و كيفا و دفع عجلتها في هذا الاتجاه بدل استنزاف محرك الاستهلاك لاقتصادنا جراء اللاتوازن الواضح  فلا أقل أيضا من أن نخص عنصراستثمار الوقت –و هومحصنة الاستثمارات-  بمخطط محكم و استراتيجية بناءة نحشد في سبيلها طاقاتنا من علماء الاجتماع و الاقتصاد والتنمية البشرية و نستحثها في تقديم الدراسات القيمة و البحوث المتميزة في عوامل سوء استغلالنا للوقت و تنظيم العمل  في مقابل النجاحات الكبيرة التي حققتها بلدان أخرى بفضل نجاعة التصرف و حسن الإدارة و السعي إلى الاستلهام الخلاق من تجاربها المتفوقة في هذا المجال و لنا في بلاد كألمانيا أو اليابان بعد الحرب العالمية الثانية و التحديات التي حققتها بالأخذ بأسباب الانتفاع من الوقت فثابرت و اجتهدت  أكبر دليل و مثال    ..

وبدل أن تستحوذ فقط الإصلاحات السياسية على لب تفكيرنا و صميم مشاغلنا فلابد من التركيز بمقدار أكبر على إصلاحات مفاهيمية  و قيمية اجتماعية عميقة من ضمنها مفهومنا للوقت و قيمته و تنغمس كل مؤسسات المجتمع من  أحزاب و منظمات  و جمعيات و إعلام و صحافة في التحسيس بالمخلفات السلبية الكبيرة للوقت الضائع على كل مناحي حياتنا  و رصد مداخلها  و إعداد محاولات و برامج  و اقتراحات و أفكار جديدة تؤسسس لثقافة متزنة في احترام الوقت و معرفة كيفية التعامل معه..

قضيتنا مع الوقت ليست بأقل شأنا من أية مسألة فكرية ثقافية أو وطنية مدنية قد نتناولها بالبحث و الدراسة و النقاش من أجل بحث أسباب الخلل و اقتراحات للإصلاح لذلك فعلينا أن نعي جيدا أن حلها هو مقدمة النجاح و بداية التقدم ..

* كاتبة تونسية

مشاركة الخبر:

Facebook! Twitter! del.icio.us! Google! Techorati! Stumble!

تعليق واحد

  1. أفاق:

    الله يسلم يديك التنتين يسرى بتشكرك كتير ع هاد المقال عن جد زوء شكراً

    تاريخ نشر التعليق: 23/06/2013، على الساعة: 15:53

أكتب تعليقك