تعالوا نفسد عليهم لياليهم

أحلام مستغانمي

أحلام مستغانمي

قال هندي أنّه استباقاً للكوارث المتوقّعة على الكرة الأرضيّة، اشترى قبل سنوات قطعة أرض على القمر من موقع في الانترنت يُدعى “جمهورية القمر”، و يعتزم بعد استلامها سنة 2015 بناء مجمّع سكني للفارّين من الأرض.

أتوقّع لمشروعه النجاح، فقبل انقضاء الخمس سنوات القادمة يكون سكّان هذه المعمورة قد حسموا أمرهم، و هجّوا إلى أيّة وجهة. و لا أرى لهم لعمري من وجهة أخرى غير جارنا القمر الذي بعد أن قضينا قروناً في التغزّل فيه، قد يقضي ما بقي من دهر في هجائنا و المطالبة بأن “نعيفوه” و “نحلّوا عنو”!

طب و مالو و مالنا (على قول المصريين)، إن كنّا من نزلاء هذا الكوكب العجوز المنحوس الذي نتدافع و نتشاجر فوقه. نتقاسم فيضاناته، و جفافه، و مدّه البحري، و زوابعه، و ثلوجه، و عواصفه، و براكينه، و ثوراته، و مذابحه و انقلاباته، و كوارثه الجويّة و البحرية، نسطو على مائه، و نلوث هواءه الذي كنّا نتنفسه فأصبحنا نتنافس عليه.

ثمّ عندما نتأمّل موت ملايين البشر ضحايا وسائل النقل الأرضيّة، ننتهي إلى الاعتقاد بأنّ أأمن وسيلة نقل اليوم هي المركبة الفضائيّة، خاصّة بالنسبة للعرب الذين يصرّون على تحطيم الأرقام القياسيّة في حوادث السير، غالباً من باب التشاوف. فالبعض يقيس فحولته بمغازلة الموت في سيارة، كما رجال سطيف (شرق الجزائر)، الذين اشتهروا بشعارهم “من لا يموت خلف مقود ليس رجلاً”، ما جعل من السيّارة الضرة الأولى للنساء فهي التي تخطف العدد الأكبر من رجالهم.

و إذا علمنا أنّ خسائر العرب سنويًّا بسبب حوادث السير تفوق 65 مليار دولار، وجدنا المركبة الفضائيّة أوفر وسيلة مواصلات، خاصّة إذا اعتبرناها جزءًا من سلاحنا ضدّ اسرائيل (الذي قلّما استعملناه). إذ نفوّت علينا بفضلها فرصة انقراضنا خارج “المعارك المصيرية” على الاوتوسترادات و المنعطفات.

و لا أدري كيف لم تفكر إسرائيل حتى الآن بإهدائنا ما تيسّر من الشاحنات، و الحافلات و العبّارات، فنتكفل بخوض الحرب نيابة عنها.. ما دمنا نعتقد أن موتاً رخيصاً كهذا يليق بنا.

و هو رخيص مرّتين. الثانية لأنّ شركة أميركيّة باشرت قبل سنوات، بتقديم خدمة دفن الموتى على القمر بإرسالها رمادهم في كبسولات. و من المتوقّع إرسال ألف كبسولة هذا العام. تروّج الشركة لفكرة تحويل القمر إلى مقبرة بالقول، أنّ ثمّة رومانسيّة في النظر إلى السماء و التفكير و أنت ترى القمر بأنّ قبور من تحبّهم هناك!

و بما أنّ زيارة القمر لأسبوع تكلّف 20 مليون دولار، بينما الإقامة فيه داخل كبسولة لا تكلّف غير عشرة آلاف دولار، سنكتفي بمشروع أن نُدفن فيه عسانا نُفسد على من أحببناهم لياليهم بعدنا !

* كاتبة جزائرية مقيمة في الإمارات

مشاركة الخبر:

Facebook! Twitter! del.icio.us! Google! Techorati! Stumble!

أكتب تعليقك