القاتلُ مَجهولٌ في سوريـة !

محمد كريشان

محمد كريشان

“العربي لا يعرف من يطلق النار في سورية”… هكذا اختارت جريدة الحياة اللندنية عنوانا في صفحتها الأولى لتقريرها من القاهرة لأول مؤتمر صحافي يعقده الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل العربي لتقييم أولي لعمل المراقبين العرب في سورية.

عنوان موفـّـق تماما لأن هذا فعلا أهم ما قاله الرجل على الإطلاق، وزاد في توفيق العنوان أنه لم توضع في نهايته أية علامة تعجب لأن العربي قال ما قال بكامل الجدية.

إذا كنا بعد عشرة أشهر مما يحدث في سورية ما زلنا لا نعلم من يطلق النار هناك فعلى الدنيا السلام!! ما قاله العربي لا يستقيم حتى مع ما قاله هو نفسه في ذات المؤتمر الصحافي ناهيك أن يستقيم مع حقائق الأمور على الأرض.

أي معنى لكلام العربي هذا وهو الداعي في نفس المؤتمر السلطات السورية إلى وقف القتل ‘فورا’ فأنى لهذه السلطات أن تفعل ذلك والسيد الأمين العام غير متيقن من أن هي من يطلق النار فعلا على المتظاهرين، اللهم إذا كان يعتقد أنها تمون على العصابات المسلحة وكلمتها مسموعة لديها !!.

العربي أوضح أن موضوع “من يطلق النار على من” يجب إثارته مع الحكومة السورية، لأن الهدف من إرسال المراقبين هو وقف إطلاق النار وحماية المدنيين السوريين، فهل يتوقع الأمين العام أن تقول له الحكومة السورية أنها آسفــــة لأنها هي فعلا من يملك قناصة فوق السطوح ودبابات تطلق القذائف على الأحياء السكنية!!

ما يجري في سورية بيـّــن جلـــي لا يُـمعن في إنكاره سوى نظام الحكم ومن والاه في لبنان وخارجها. لم يعد في الإمكان “التفلسف” على هذا الصعيد إلا لمن يريد الوقوف مع النظام الرئيس بشار الأسد ظالما أو مظلوما، لكنه يخشى من أن يقول رأيه كاملا غير منقوص فيختفي وراء غمغمات غير مفهومة ويهاجم غيره حتى لا يدافع عن موقفه المهزوز.

أغلب هؤلاء لم تكن لهم حتى جرأة أو صراحة المطرب السوري جورج وسوف الذي لم يتوان في التعبير عن ولائه لهذا النظام حتى وإن قتل من أبناء شعبه المئات!

إذ ما سلمنا بأن العربي مدرك جيدا لما يقوله وهو فعلا لا يعرف من يطلق النار فلم لا يعتمد مقاربة علمية معروفة تقوم على استبعاد الفرضيات غير المنطقية ولا المقنعة حتى يركز تفكيره بعد إزاحتها فيما تبقى من فرضيات، إن جاز فعلا تسميتها كذلك في الحالة السورية. لنشرع قليلا في تلمس هذه المقاربة ونترك للعربي الاستنتاج اللاحق الذي يراه مناسبا.

لنفترض أن الحكومة السورية بريئة تماما من قتل المدنيين الذين تريهم كل تلفزيونات العالم إلا التلفزيون السوري ولنتجه مباشرة إلى اتهام “العصابات المسلحة” أو المنشقين عن الجيش ولنقل أن هؤلاء هم قتلة المدنيين بمن فيهم الأطفال داخل بيوتهم أو أولئك الآباء العائدون بالخبز لأطفالهم الجائعين.

بعد ذلك، نسأل لماذا يقتل هؤلاء أولئك؟ أهو لتشويه النظام السوري وهو على السمعة التي هو عليها الآن لا يحتاج إلى مزيد من التشويه؟! أم لمزيد إثارة غضب الناس ضد الحكم وهم الذين لم يبلغوا في تاريخ سورية الحديث هذا المبلغ من السخط عليه بحيث لا :يحتاج منسوب الغضب عندهم إلى أية إضافة؟!! أم لتصفية شعب يدعون أنهم قاموا بالثورة أصلا للدفاع عن حريته وكرامته؟!! وإذا كان لعناصر مسلحة موالية للثوار أن تتهم بالقتل فالمنطقي هنا أن تتهم بقتل العسكريين ورجال الأمن و “الشبيحة” وليس المدنيين الذين ذهبت بعثة الجامعة لحمايتهم!

كان بإمكان المراقبين العرب أن يلتزموا جميعا فضيلة الصمت طوال مهمتهم وكذلك السيد الأمين العام على أن يتحدثوا جميعا بعد اتضاح الصورة نهائيا، أما أن يجازفوا بكلام متسرع أو غير دقيق وأحيانا غير مقبول بالمرة فأمر يدخل في خانة “إغراق السمكة في الماء” كما يقول المثل الفرنسي.

ما يخشى الآن من كل ما سبق أن تنتهي المهمة كلها بالقول: وقيدت الجريمة ضد مجهول!!..

مع أنه ليس كذلك.

* إعلامي تونسي مقيم في الدوحة

مشاركة الخبر:

Facebook! Twitter! del.icio.us! Google! Techorati! Stumble!

أكتب تعليقك