تدبيرُهُم..وغفلتُنا

فهمي هويدي

فهمي هويدي

“تبين الآن أن استثمار دولة إسرائيل فى جنوب السودان كان مجديا على المدى البعيد. ذلك ان جنوب السودان ينخرط فى استراتيجية الاحاطة بالعالم العربي، التى تشمل قبرص والأكراد والبربر، وربما ذات يوم إيران ما بعد الإسلامية. ثم إن هذا البلد الوليد (الجنوب) لديه امكانية استثمار الموارد الطبيعية الغنية (النفط أساسا)، ولديه وزن فى المفاوضات الجارية بشأن مياه النيل وحصة مصر منها. وإلى جانب ذلك فإن تأسيس دولة الجنوب يشكل نموذجا يبعث على الإلهام لمقاومة السكان غير المسلمين للامبريالية الإسلامية”.

هذه الفقرة وردت نصا فى مقالة نشرتها صحيفة إسرائيل اليوم  للبروفيسور دانييل بايبس رئيس منتدى الشرق الأوسط فى معهد هوفر، وهو باحث وأكاديمي أمريكي وثيق الصلة بإسرائيل ومشهور بعدائه للعرب والمسلمين.

 كان كاتب المقالة يعقب على أول زيارة قام بها السيد سلفاكير مارديت رئيس جنوب السودان لإسرائيل، التى وصفها الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز بأنها حدث تاريخي مهم.

وقد عبر السيد بايبس عن أمله فى ان تكثف الدول الغربية وإسرائيل من مساعداتها للدولة الجديدة فى مجالات الزراعة والصحة والتعليم والدفاع، بما يمكنها من ان تصبح قوة عظمى فى المنطقة حليفة ليس فقط لإسرائيل وانما للغرب أيضا.

 كنت قد علقت على زيارة السيد سلفاكير فى حينها، منبها إلى ما تمثله من انعكاسات محتملة على الأمن القومي المصري والأمن العربي بوجه عام،لكن النص المنشور يسلط الضوء على جوانب أخرى لها أهميتها أحسب أنها ينبغى أن تؤخذ على محمل الجد. ذلك أننا كنا نعلم أن الاستراتيجية الإسرائيلية منذ منتصف القرن الماضي اعتمدت سياسة «شد الاطراف» التى  وضعها بن غوريون أول رئيس وزراء لإسرائيل.

وانصب تركيزها على إثيوبيا وإيران وتركيا. وهو مثلث الجيران الذى استطاعت إسرائيل أن تثبت أقدامها فيه، للضغط على العالم العربي ومصر فى القلب منه بطبيعة الحال.

 وإلى جانب الضغط من الخارج، فإن الإسرائيليين سعوا منذ ذلك الوقت المبكر إلى إقامة جسور مع الأقليات والجماعات العرقية الأخرى التي تعيش داخل العالم العربي لاستمالتها واستخدامها فى الضغط على الأنظمة والتنغيص عليها.

وفى الكتيب الذي أعده ضابط الموساد موشي قرجي حول إسرائيل وحركة تحرير جنوب السودان، (صدر عن مركز ديان بجامعة تل أبيب سنة 2003) إشارة إلى أن تلك السياسة استهدفت التواصل مع الأكراد فى العراق وسكان جنوب السودان، والموارنة فى لبنان، والدروز والأكراد فى سوريا، والأقباط فى مصر.

اختلف الموقف فى الوقت الحاضر. إذ خرجت إيران من مثلث التحالف، وخرجت تركيا بدرجة أو أخرى، فى حين لاتزال إسرائيل تحتفظ بعلاقاتها مع إثيوبيا التى استخدمت مع كينيا وأوغندا فى القفز إلى جنوب السودان.

 ورغم معاهدة السلام التى أبرمتها مصر مع إسرائيل ولحقت بها الأردن، فإن مساعيها للضغط على مصر والعالم العربي لم تتوقف، فنجاحهم مشهود فى كردستان العراق.

 كما انهم حققوا نجاحا موازيا فى تحقيق هدفهم الاستراتيجي بعدم السماح للعراق بأن يعود إلى ممارسة دوره العربى والإقليمى، والتعبير لوزير الأمن الداخلي الإسرائيلي الأسبق آفى دختر. وهو من قال أيضا فى محاضرته الشهيرة ان إسرائيل موجودة فى دارفور غرب السودان، وانهم ومعهم الولايات المتحدة حريصون على تمكينه من الاستقلال، على غرار استقلال كوسوفو. حيث الهدف النهائى يتمثل فى إضعاف السودان وعدم تمكينه من التحول إلى دولة إقليمية كبرى وقوة داعمة للدول العربية التى يطلق عليها جبهة المواجهة مع إسرائيل.

 بقيت عندى كلمتان، الأولى أن جهود إسرائيل للإحاطة بالعالم العربي واختراقه بهدف تفتيته لم تتوقف، كما ان استراتيجيتها التى تستهدف الضغط على مصر وإضعافها لم تتغير رغم مضي أكثر من ثلاثين سنة على معاهدة السلام بين البلدين.

 ولا أعرف ما إذا كان هذا الموضوع يحظى بما يستحقه من اهتمام من جانب الجهات المعنية فى مصر على الأقل أم لا، لكنني أرجو ألا يصرفنا اهتمامنا بالأمن الداخلي عن الانتباه إلى ما يهدد أمننا القومي.

 الكلمة الثانية انه فى الوقت الذى تسعى فيه إسرائيل إلى مد الجسور مع الأقليات غير المسلمة لتحريضها على ما سماه الكاتب «بالإمبريالية الإسلامية»، فإن بعض المغيبين والسذج عندنا لا يزالون يرددون السؤال البائس: هل نصافحهم ونهنئهم فى أعيادهم أم لا؟!

* كاتب و مفكر مصري

مشاركة الخبر:

Facebook! Twitter! del.icio.us! Google! Techorati! Stumble!

أكتب تعليقك