يرحلون..و تبقى أصواتهم و مواويلهم

محمد واموسي

محمد واموسي

إنه لنبأ حزين مرتين..بعد المرحوم محمد رويشة رائد الأغنية الأمازيغية المغربية،ها نحن نفقد محمد السوسدي الذي كان رائدا من رواد أغنية المجموعات الملتزمة الثائرة والهادفة..كان السوسدي مع الشريف وبختي وباطما والشادلي أحد مؤسسي مجموعة المشاهب التي أطربتنا وحركت وجداننا بموسيقى راقية،وكلمات هادفة كانت كلها ضد “الحقرة” والظلم والإضطهاد الذي كان ومازال يعاني منه المجتمع المغربي.

ربما شاء القدر أن يرحل الرجلان في يوم واحد..سي محمد رويشة أيقونة الأغنية الأمازيغية،و سي محمد السوسدي شهب آخر متلألأ انطفأ من شهاب مجموعة لمشاهب..

رحم الله السوسدي و رحم الله رويشة وكل فنان عمل من قبلهم بالموسيقى والكلمات لرفع الحيف والظلم..رحل رويشة جسديا ورحلت معه الأسطورة الشعرية و الفنية الأمازيغية،فنان المقاومة و رسول القصيدة المتمردة..لكنه لم يرحل وجدانيا ، وسيبقى خالدا خلود قصائده و مقاطعه و تحفه الفنية.

رحل السوسدي..رحل المحارب التقليدي الذي صنع قنابل شعرية و زجلية و فنية لمحاربة كل قوة مادية و روحية،حارب بقلمه،بمواويله، بقوة كلامه و كلماتك على حد سواء ، فكان فنه و صوته بمثابة قنابل موقوتة تقتل دون موت ، تقتل أنانية الآخر..

رويشة…القصيدة التي اقتسمت معنا الجمال العمومي طيلة عشرات السنوات،لبت شغبنا وروت ظمأنا…

هل توقف نبض قلبهما ، أم جف مداد قلمهما …؟ هل قدر على الفنانين الكبار  الرحيل المبكر..؟!..ولماذا يرحل هؤلاء بكيفية مفاجئة وصاعقة للوعي والروح ؟

قلب السوسدي سيبقى دائم الخفقان ، ومداد قلمه كان وسيبقى سيالا وطريا ، بقاء صوت الرفض فينا ، ينادي بكل تحد واعتزاز : “و الحالة توريك ياعالما بحالي الحمد للي يرضيك ياغني عن المقال..الكون كل ليك آدايم كل شي فاني..العظام تنشز بيك كفى كرمك عن السؤال..انقطع الرجاء الا منك وخابت الآمل الا فيك..وانسدت الطرق إلا إليك..يامن لك المهرب واليك المشتكي”

رحل السوسدي و رجل رويشة كما رحل من قبلهما محمد باطما و شقيقه العربي باطما..و كما رحل الآخرون و الآخرون..منهم من ذهب في ظلال النسيان، وبعضهم اختفى وهو يعاني مضاضة الحرمان والهوان، وآخرون نزفت منهم الروح نتيجة استشراء البهتان، ومنهم من قضى بعد أن تسلل إليه الداء اللعين..ومنهم من يعاني الآن بصمت كبير، ينخره المرض ويمتزج بدمه، يحتار في اللامبالاة وعدم الاهتمام والرعاية الكافيتان و تنهكه قساوة العيش.

سيبقى المرحوم محمد السوسدي شهبا من شهاب لمشاهب التي أنارت سماء الفن المغربي بصوتها وكلماتها، وسيظل رمزا من رموز الأغنية لمشاهبية.

مجموعة ” لمشاهب” هي المجموعة الوحيدة التي غنت أمام الملوك، ولم يسمح لها كبريائها أن تمد يدها لهم كما فعل الكثيرون من الفنانين، ساعية إلى كسب امتيازات، مستغلة الموقف والحدث.. ولم يفعلوا.. لا لشيء سوى أنهم فنانون حقيقيون، مرتبطون بهموم الشعب التي غنوا لها بصدق موسوم بالنزاهة والحلم سجلها التاريخ في سجل أفراد مجموعة ” لمشاهب” ولا زال يسجل…

مات السي محمد أكثر من مرة في المغرب، طواه النسيان في حياته وفي مماته..رحم الله السوسدي الإنسان والسوسدي الحنون، نم مطمئنا فقد أوصلت رسالة لمشاهب الى كل إنسان أينما كان ، بالكلمة المعبرة الراقية الملتزمة وبصوت قوي متين،لقد وصلت رسالة لمشاهب ،وأوصلناها بدورنا إلى أولادنا وسوف يوصلها أولادك الى الأجيال.

لقد صبرت صبر أيوب وغنيت صبر أيوب ، وغنيت للإنسان وضد الظلم وقهر الرجال، أنت الذي غنيت “وأنا طالب المحبة وعطاوني قرحة”..أنت الذي صرخت “عدوان على العراق…ويدان الدم تجري نبكي ونوح على ناسي وأوطاني”..أنت الذي صحت عاليا “خليو بالكم من الشمال خليو بالكم ……. خليو بالكم عبر السنين خليو بالكم”…

 إلى جنانِ الخلدِ يا محمد السوسدي، يا رائد الكلمة الحرّة الأبيّة، يا ابن الأرضِ والحياةِ والخلودِ، ستبقى وتبقى صيحاتك و مواوييلك و كلماتك خالدة في قلوبنا و قلوب الملايين من محبيك و محبي لمشاهب أينما كانوا..رحل الفنان و المبدع الكبير  لكن كلماته لم ترحل و صوته حاضرة للأبد..في هذا الكون الواسع.

رحل السوسدي وفي نفسه شيء من حتى.. رحل وصنبور القلم كان يعشق أن يسيل في واحات العقل الجافة، لكي ترويه ويستيقظ وينمو كما تنمو النباتات.. رحل سي محمد وترك أيام صباه تذكرة عبور مجانية للسائلين عن دابة المستقبل.. رحل وترك بيته المتواضع وديعة للكتب المصفوفة ولكتابات وإبداعات و أغاني لم يتركه الموت ليتممها،أهمها مشروع أغنية كان يريد أن تجمعه بأبنائه كمسك ختام مسيرة الإبداع الطويلة.

السوسدي الحاضر الغائب بيننا ستخلده قصائده الزجلية و صوته الشجي و كلماته التي تهز المشاعر و تزلزلها،السوسدي لم يمت بل صعدت روحه إلى السماء لتسقينا مطرا من كلمات و زجل و أغان كلما ضقنا درعا بترهات مغنيي و شعراء و كتاب آخر الزمن وهم ينهقون شعيرا وبعضهم نقيقا مؤلما..هكذا هم المبدعون يموتون تباعا ، يغيبون كلما زاد الألم عن الحاجة وطفح كيل الوجع .

نم قرير العين يا سي محمد السوسدي،فصوتك سيظل معنا و روحك البهية، ستشفع لنا عند صاحب القول والكلام و هي تصدح في الأعالي..”هاجت بالفكر شواقي بحر و ما و ريح تقلقو…و من كترت مواج حداقي خايف فيهم جوارحي السلامة يغرقو…لاقي يا ربي لاقي المحبة بالصديق..واحد قلبو محروق واحد شاد الحريق..و شي فكرو مسروق و شي شاد بالعتيق..و شي فالناس تاقي..شي ما بغى يفيق..واللي تقول يليق..هذاك عظمو مشقوق..وشحال من بحور فاضت من جهلنا..خيي فين الإحسان لامطلب لا مضمون..من قلة الإلتزام غاضني فدانا مسكين..ومن مصير صبيانا غير قولوا لشعوب خرين”.

يرحم الله الفنان المتواضع سي محمد السوسدي بواسع رحمته،لن أنسى له و لمن كان على شاكلته يوما (الغيوان ،جيلالة ،لمشاهب،السهام ،إزنزارن..) ما مكنوني من مـناعة ذوقـية لا زالت ظلالها تحصنني إلى اليوم،بتحف غنائية تعتبر وحدها مدرسة لتربية الذوق و شحذ الهمم،بألحان شجية و كلمات صادقة و قبل هذه و تلك حفاظا على الـصِّـبْـغَـة ، و وصلا بالتراث ، و تثمينا لمخزون لغوي غزير.

من دروب رحم الشعب أتيت، و للبسطاء من أبناء الشعب أبدعت ، جمعت بين نبلي الفقر و الفن ، و مضيت مسرعا ملبيا نداء ربك،تدندن لأزمة صدحت بها يوما: “هاد الشي مكتوب والأجـل وفات..ملك الله العظيم بالواجب يحكم..رفيق الشبان مات على طفحات..خلانا و مشى و اﻟقلب يخمم..ما دوز صغرو ولا طيب الحياة كان يتمنى وقــتو يتسـﯖم..ﭐكتاب الـله آمر بالممات..الحكم توصــــــل والحال مظلم”.

صدقت و الله…

ما زلت جاهزا للبكاء وسأبقى … لأن جرح الألم ما زال طريا..كل القواميس اللغوية لا تكفي لترثي من أبدع لغة عالية وجعل للحروف رقصة وهوية خاصة وألبسها وهجا متفردا . لا تكفي كل الدموع لتغسل القلب من حرقة رحيل رجلان توحدنا في حبهما وأخلصنا لكلماتهما، وشربنا من أبجدية إبداعهما وتطعمنا بلقاح قصائدها.

بكما تنفسنا هواءا صافيا كلما امتلأ الصدر بسخام الظلم..بصوتكما تطهرنا كلما أثقل كاهلنا درن السنين ، منكما تعلمنا كيف يكون الإنسان إنسانا وكيف يكون للحياة مذاقا آخر غير الذي توارثه البشر.

شكرا لكما أيها العظيمان..لأنكما عشتا بيننا وإن تركتانا بعدكما غرقى في يتم الإنتماء..

لكما الآن هدوء الراحلين و لأقاليم جسدنا الحزين جمار لوعة الفراق..

لسي محمد السوسدي و لسي محمد رويشة .. رَوحٌ وريحان وجنة ورضوان..

*إعلامي مغربي مقيم في باريس

مشاركة الخبر:

Facebook! Twitter! del.icio.us! Google! Techorati! Stumble!

تعليقات 5

  1. نزهة/المملكة المغربية:

    لا تبخل علينا اخي بمقالاتك الرائعة كهذه الدرة.
    كلام عميق و تعبير فياض.
    رحم الله الفنانين الكبيرين و اسكنهما فسيح جناته.

    تاريخ نشر التعليق: 20/01/2012، على الساعة: 7:17
  2. عمور:

    اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ ، وارْحمْهُ ، وعافِهِ ، واعْفُ عنْهُ ، وَأَكرِمْ نزُلَهُ ، وَوسِّعْ مُدْخَلَهُ واغْسِلْهُ بِالماءِ والثَّلْجِ والْبرَدِ ، ونَقِّه منَ الخَـطَايَا، كما نَقَّيْتَ الثَّوب الأبْيَضَ منَ الدَّنَس ، وَأَبْدِلْهُ دارا خيراً مِنْ دَارِه ، وَأَهْلاً خَيّراً منْ أهْلِهِ، وزَوْجاً خَيْراً منْ زَوْجِهِ ، وأدْخِلْه الجنَّةَ ، وَأَعِذْه منْ عَذَابِ القَبْرِ ، وَمِنْ عَذَابِ النَّار

    تاريخ نشر التعليق: 19/01/2012، على الساعة: 23:14
  3. مشاهبي:

    الأستاذ الفاضل محمد واموسي
    تحية أخوية مباركة
    مقال في غاية الأهمية
    حقا أفدتنا بهذا الضوء الخاطف الذي سلطته على الفنان المرحوم السوسدي و رويشة،ما أحوجنا إلى تطبيق أفكارهما النيرة التي لا أظن أنها ستتأثر بمرور الزمن،وكم هو مؤسف حينما نتجاهل مثل هذه العقول والكنوز التي أثرت بها مجتمعاتنا
    لك تحياتي وتقديري

    تاريخ نشر التعليق: 19/01/2012، على الساعة: 23:12
  4. كريمة:

    شكرًا لك أخي محمد على هذا المقال المنصف لكلا الراحلين الفقيدين العظيمين كما وصفتهما
    رحمهما الله و إنا لله و إنا إليه لراجعون

    تاريخ نشر التعليق: 19/01/2012، على الساعة: 21:30
  5. سامية:

    و هناك من يرحلون تاركين وراءهم الف علامة استفهام …

    تاريخ نشر التعليق: 19/01/2012، على الساعة: 19:30

أكتب تعليقك