الصورة التي أبكت الجميع

محمد أبوعبيد

محمد أبوعبيد

كأننا، كعرب، لم نُخلقْ إلا لنبكي، وكأن البكائيات جُعلتْ من نصيبنا، بينما البهجة وُجدتْ لتكون من نصيب غيرنا. هذا على الأقل ما يحاول البعضُ، إن لم يكن الكثير، ترسيخه بحقنا في لغة الخطاب بين الباثّ والمستقبِل. ولعل ذلك مرده إلى سببين اثنين، أولهما أن جينات العربي مشَبَّعة بالدموع، وثانيهما العنّة اللغوية، وبالتالي العجز عن الإتيان بعناوين لصور، أو حتى نصوص، تكون لذةً للرائين والقارئين.

صار ينتابني إحساس، منذ مدة ليست وجيزة، أن الكثير من العناوين العربية محملة بعكس معانيها، وعليه، كلما وصلني مقطع “يوتيوبي” يحمل عنوان “الصورة التي أبكت الجميع”، أو الطفلة التي أبكت الجميع، أدركت أن المحتوى يجعلني أبتسم، دون أن تفقدني البسمة وجدان التفاعل والإحساس مع ما أشاهده. فالبسمة الصادقة أكثر صدقاً من دمعة آنية تجف حال الإنتهاء من مشاهدة ذاك المقطع “اليوتيوبي”.

مرة وصلني، كما الآلاف مثلي، مقطع لطفلة فلسطينية تلقي قصيدة وطنية بطريقة رائعة أمام جمع بشري، وجعل صاحبه عنواناً له يقول: “الطفلة التي أبكت الجميع”، وقبل البدء في المشاهدة عرفت أن المقطع لن يكون مبكياً ولا بطلته باكية، وهذا ما تأكد لي بعد مشاهدته بالكامل كي لا يفوتي الجزيْء المبكي فلم أجده. صحيح أنني لم أبكِ، لكني تفاعلت مع تلك الطفلة وشدتني طريقة إلقائها، وفي داخلي وجهتُ لها أرق التحايا.

الأمر عينه تكرر في مقطع آخر تؤدي فيه طفلة تركية قصيدة دينية روحية، تفاعلت كذلك معها دون أن أجد أي مبرر للبكاء رغم أن العنوان على صيغة العنوان السابق ذاته. ثم تكرر الأمر مع مقطع لمذيع بكى على الهواء ويقول العنوان ” المذيع الذي أبكى الجميع”، ولم أجد أي مبرر لبكائه أصلاً ولا لإبكائنا، فقد درجت “الموضة” مؤخراً في أن يبكي بعض المذيعين، والمذيعات، على الهواء ليصبحوا هم الخبر على حساب الخبر الأصلي.

ما دمتُ أنني لم أبكِ على ما وصفوه “بالمبكي” فلا حق للقائلين، إذنْ، أن يقولوا “الصورة التي أبكت الجميع” ما دام “الجميع” خلا من واحد مثلي، وأجزم أن آخرين من صنوي لم يبكوا، أو يتباكوا، على ما شاهدوه أيضاً، ومن هذا المنطلق تسقط كلمة “الجميع”.

لا نفي هنا لوجود صور مبكية حقاً، لما تحركه من مشاعر إنسانية وعاطفية، لكن ليس بالضرورة أن يتحد الجميع على “بكائيتها”، والأهم أنه إذا أراد امرؤ نشر صورة من تلك الصور فمن المجدي، حقاً أن يبتدع لها عنواناً من وحي المحتوى دون أن يقرر نيابة عن المستقبلين إنْ كانت ستبكيهم أم لا، كي لا نظل موصوفين بالمجتمعات البكاءة، خصوصاً أننا، فعلاً، نضحك ونتبادل النكات، وآخرها نكات “الجاهلية”.

لعل الصورة الوحيدة التي حقاً أبكت الجميع، ويجوز الجزم بالبكاء عليها، هي صورة البصلة.

* إعلامي فلسطيني مقيم في دبي

مشاركة الخبر:

Facebook! Twitter! del.icio.us! Google! Techorati! Stumble!

أكتب تعليقك