سورية ومخاطر الفيتو المزدوج

عبد الباري عطوان

عبد الباري عطوان

الفيتو الروسي ـ الصيني المزدوج الذي استخدم في مجلس الامن الدولي لعرقلة مشروع قرار غربي ـ عربي يطالب بتنحي الرئيس بشار الاسد وحقن الدماء في سورية، هو نقطة تحول مفصلية في العلاقات الدولية، وبداية صفحة جديدة من حرب باردة من نوع مختلف.

من استخدم حق النقض الفيتو لم يستخدمه انتصارا للرئيس الاسد، ولا الحرص على سورية، فليس في سورية نفط ولا ودائع مالية بمئات المليارات، وانما تأسيسا لنظام عالمي جديد متعدد الاقطاب، وصعود قوى عظمى جديدة، اقتصاديا وعسكريا، تريد وضع حد للهيمنة الامريكية الغربية على مقدرات العالم.

عالم اليوم الذي يطل برأسه بقوة لا تحكمه العواطف ولا المبادئ والقيم، بقدر ما يحكمه الاقتصاد، والرغبة في النفوذ، وليس صدفة ان الدول التي وقفت في وجه المشروع العربي ـ الغربي في مجلس الامن الدولي هي خمس دول (روسيا والصين والهند والبرازيل وجنوب افريقيا) تعتبر الآن الاقتصادات الصاعدة في الوقت الراهن، ثلاث منها اعضاء في تجمع الدول الصناعية الثماني الكبرى (روسيا والصين والبرازيل والاخيرة ازاحت بريطانيا من المركز السادس كأقوى اقتصاد في العالم)، والدول الخمس ممثلة في نادي الدول العشرين.

جامعة الدول العربية ارتكبت خطيئة كبرى عندما تجاهلت الخريطة الجديدة لمراكز القوة في العالم، وتعاطت باحتقار مع الدول الخمس المذكورة، وخاصة الصين وروسيا، فقد كان محتما عليها التنسيق مع هذه الدول، واحترام كرامتها ومصالحها في آن، وهي دول وقفت دائما الى جانب القضايا العربية العادلة، وقضية الصراع العربي ـ الاسرائيلي على وجه الخصوص، ولكن يبدو ان الجامعة في عصرها الجديد نسيت هذه القضايا تماما، وبدأت تتنكر لاصدقاء العرب، وتتودد لأعدائهم.

من المؤكد ان المعارضة السورية منيت بصدمة كبرى من جراء هذا الفيتو الصيني ـ الروسي المزدوج، فقد راهنت كثيرا على ورقة التدويل، واستصدار قرار اممي يفتح الباب على مصراعيه امام التدخل الاجنبي العسكري لوضع حد لجرائم النظام، على غرار ما حدث في ليبيا، ولكن النتائج جاءت مفاجئة تماما، وعادت الأزمة السورية الى المربع الاول مجددا، مربع القتل والمجازر، وما حدث في مدينة حمص ليلة التصويت في مجلس الامن (300 قتيل جميعهم من المدنيين العزل) هو دليل بارز في هذا الاطار.

السوريون يدفعون من دمائهم وارواحهم ثمن قرار مجلس الأمن باعطاء الضوء الاخضر لتدخل حلف الناتو في ليبيا، واصرار الصين وروسيا على استخدام الفيتو المزدوج لإفشال مشروع القرار العربي ـ الغربي، رغم ان فيتو واحدا يكفي، هو رغبة في الانتقام من الإهانة التي تعرضت لهما الدولتان على يد امريكا وحلفائها الاوروبيين والعرب، عندما صدقوا وعود هؤلاء بان القرار 1973 الذي امتنعتا عن التصويت معه او ضده، كان مصيدة، الهدف منها تغيير النظام، وليس حماية المدنيين فقط.

العقيد معمر القذافي خسر حكمه، وانتهى نهاية دموية غير مسبوقة، ليس لأنه ديكتاتور ظالم يتزعم نظاما فاسدا، فهناك انظمة عربية اكثر فسادا وديكتاتورية وقمعا وتخلفا من نظامه، وانما ايضا لأنه اعطى معظم عقود استكشاف النفط وبناء البنى التحتية الليبية للصين وروسيا والهند، وبدرجة اقل للبرازيل وجنوب افريقيا، وليس للدول الغربية وبعض العربية.

لا احد يعير ليبيا اي اهتمام حاليا، ولم يجتمع وزراء خارجية اصدقاء ليبيا مرة واحدة منذ الاطاحة بنظام القذافي، وهم الذين كانوا يجدون الوقت للاجتماع كل اسبوع في هذا العاصمة او تلك، رغم تدهور الاوضاع على الارض وهيمنة الميليشيات المتطرفة، والتناحر الدموي بينها، فقد قالوا لنا انهم تعلموا من اخطائهم في العراق، ووضعوا خطة لليبيا بعد اطاحة النظام لمنع الفوضى والارهاب، لنكتشف انه لا توجد هناك خطة ولا من يحزنون، فطالما ان النفط يتدفق الى مصافيهم، والودائع (200 مليار دولار) في بنوكهم، فليقتل الليبيون بعضهم البعض.

يخطئ النظام السوري اذا اعتقد ان هذا ‘الفيتو المزدوج’ هو ضوء اخضر له لمواصلة استخدام حلوله الامنية الدموية وارتكاب مجازر في حق الابرياء، مثلما حصل في حمص، بل هو مقدمة لوضعه بقوة تحت الوصاية الروسية ـ الصينية وسلبه قراره المستقل في التعامل بدموية مع الثائرين ضده.

الوفد الروسي بزعامة سيرجي لافروف وزير الخارجية، وعضوية قائد المخابرات العسكرية، الذي سيحط الرحال في دمشق الثلاثاء ، لا يذهب الى هناك من اجل الكبة الحلبية، او هربا من صقيع موسكو الى دفء سورية وشمسها الساطعة، وانما سيأتي حاملا سلسلة من الإملاءات، وخريطة طريق مفصلة لما يجب ان يفعله النظام من اصلاحات حقيقية، وبتعليمات صريحة بوقف آلة القتل فورا.

النظام السوري لن يكون في موقع المناورة والتهرب من الاصلاح، مثلما فعل طوال الاشهر الماضية من عمر الانتفاضة، فروسيا مثلما قال وزير خارجيتها قبل يومين، ليست حليفة ولا صديقة لنظام الرئيس بشار الاسد، وانما صديقة لسورية، وحريصة على مصالحها فيها، ابتداء من قاعدة طرطوس الوحيدة في المنطقة، والحفاظ على سرية اسلحتها المتقدمة التي قدمتها للنظام، ولم تقدم مثيلاتها لغيره، والحيلولة دون وقوعها في ايدي نظام موال للغرب يقدمها واسرارها على طبق من ذهب الى امريكا واجهزتها الامنية، وابرز مثال على هذه الاسلحة صواريخ “اس 300” المضادة للطائرات التي حجبتها موسكو عن ايران، خضوعا لضغوط واغراءات امريكية قبل الأزمة السورية، بسبب دقتها المطلقة.

يجب ان يدرك النظام السوري، والانظمة العربية جميعا في المنطقة، ان الاسابيع والاشهر المقبلة، قد تحمل الاسوأ للجميع، ولا نستبعد ان يكون الاستعجال في تدويل الأزمة السورية، وبهذه الطريقة غير المدروسة، هو محاولة لاغلاق هذا الملف بطريقة او بأخرى من اجل التركيز على ملف اكثر سخونة واهمية، وهو الملف الايراني، وقد يكون استخدام الفيتو المزدوج هو رسالة لامريكا واسرائيل وبعض العرب تقول بان ايران لن تقف وحيدة في مواجهة المخططات الاسرائيلية لقصفها.

امريكا ومعها الاوروبيون والعرب قد لا يبتلعون هذه الهزيمة بسهولة، وهذا حقهم، ولا نستبعد تصعيدا خطيرا للوضع الامني، من حيث دعم المعارضة الداخلية، والجيش السوري الحر، وتهريب كميات كبيرة من الاسلحة والمتطوعين، لاستنزاف النظام، وتقويض قاعدتيه الأمنية والعسكرية.

الحل في سورية سياسي، ولم يفت الوقت بعد، وخريطة الطريق التي يحملها لافروف غدا تشكل عجلة انقاذ للنظام ولروسيا وللجامعة العربية ايضا، والعناد قد يؤدي الى كارثتين معا، الحرب الأهلية التي ستجر المنطقة الى حرب، وسيكون السوريون جميعا ومن خلفهم العرب هم الخاسر الاكبر.

مجزرة واحدة اخرى يرتكبها النظام ستكون بداية النهاية له، حتى لو جاءت ردا على استفزاز من هنا او هناك، فالشعب الذي صمد عشرة اشهر، وقدم ستة آلاف شهيد حتى الآن، لن يتوقف في منتصف الطريق، واذا كان الرئيس حافظ الاسد تمكن من الاستمرار في الحكم بعد مجزرة حماة عام 1982 فإن نجله الرئيس بشار لن يستمر، فالظروف تغيرت والشعب السوري ايضا.

* كاتب فلسطيني مقيم في لندن

مشاركة الخبر:

Facebook! Twitter! del.icio.us! Google! Techorati! Stumble!

أكتب تعليقك