تيسير علوني حرا طليقا

محمد كريشان

محمد كريشان

أخيرا… وبعد سبع سنوات عجاف من إيقاف وسجن وإقامة جبرية ورقابة إدارية، تمكـّـن الصحافي الإسباني، السوري الأصل، تيسير علوني، المراسل التلفزيوني الأشهر الذي نجح في أن ينقل للعالم كله ما لم يُــشأ له أن يعرف من حرب أفغانستان عام 2001 أن يستعيد حريته المسلوبة.

لقد دفع تيسير غاليا ثمن هذه التغطية وثمن لقائه الشهير بزعيم ‘القاعدة’ المطارد آنذاك أسامة بن لادن، كما دفع ثمن ذلك الغضب الأمريكي الذي لم يستسغ وقتها تغطية إعلامية حرة أربكت حسابات السياسييين وكشفت كثيرا من كذبهم وزيف ادعاءاتهم .

سنوات سبع قضاها الزميل بين تحقيقات مطولة في قضايا إرهاب حـُـشر فيها مع آخرين واعتمدت في أغلبها على تسجيلات هاتفية فـُـسرت بطرق ملتوية وأحيانا مضحكة قبل أن ترمى جانبا.

أما الإدانة فاستندت إلى مؤشرات شك ضعيفة وبعضها شكـّـل سابقة خطيرة في عالم الصحافة حين ما اعتــُــبر أن مجرد الاتصال بعناصر مشتبه بصلتها بالارهاب بهدف الحصول على أخبار أو مقابلات يـُـعد نوعا من العلاقة مع الإرهاب تستوجب العقاب… لأن السبق الصحافي لا يمكن الحصول عليه بأي طريقة كما قيل وقتها في لائحة الاتهام.

الأدهى والأمر أن المدعي العام الإسباني بيدرو روبيرا لم ير حرجا وقتها في التصريح لصحيفة ‘الباييس’ الاسبانية اليومية بأنه بنى حكم إدانة تيسير بسبع سنوات على قناعات شخصية وليس على أدلة دامغة ضده!! وذلك قبل أن يقول زميله المدعي العام للمحكمة العليا الإسبانية لمجموعة ممن التقوه إن من دواعي تثبيت حكم الإدانة هذا أن هدوء تيسير الشديد طوال المحاكمة بدا له ملفتا ومريبا !!

و مثلما كانت هذه السنوات السبع قاسية على تيسير وعائلته فإنها كانت كذلك على المنظمات الدولية المعنية بحقوق الانسان وحرية الصحافيين بشكل خاص.

لقد تردد بعضها في بداية القضية في الإعراب عن موقف تضامني فيما تأخر آخر نظرا لما كان يشوب المسألة برمتها من تداخل مع الهلع الدولي من الإرهاب.

وطوال هذه السنوات لم نشهد من هذه المنظمات تعبئة إعلامية واسعة لإطلاق سراح تيسير فترك يواجه مصيره لوحده. أما الجسم الصحافي الإسباني فقد تصرف بطريقة أقل ما يقال فيها إنها مخجلة تجاه زميل لهم ربما ما كان لهم أن يكون لهم معه نفس الموقف لو كان اسمه فريديريكو أو روبرتو!!

ورغم كل الوعود التي قدمتها السلطات الإسبانية لأكثر من جهة لمراجعة وضعية تيسير إلا أنها لم تفعل شيئا وظلت تسوّف إلى آخر يوم من مدة الحكم.

وحتى عندما أدانت مؤخرا المحكمة الأوروبية لحقوق الانسان مدريد بسبب كثرة الثغرات القانونية في محاكمة علوني واعتبار أن شبهات عديدة تعيب قضاتها مطالبة إياها بدفع تعويضات له فإن الحكومة الإسبانية كابرت ولم تعترف بالحكم بل ونغـّـصت على تيسير حتى بعض إجراءات خروجه من البلاد.

الحمد لله أن تيسير بحكم البراءة وإعادة الاعتبار الذي أصدرته المحكمة الأوروبية لحقوق الانسان لم يخذل كل الذين وقفوا معه منذ البداية وآمنوا ببراءته رغم بعض الهمز واللمز.

ومن مفارقات الدهر وحـِكمه أن تيسير وهو يستعيد حريته ويعود لعائلته ومهنته يترك وراءه “بطل” توريطه القاضي المكلف بقضايا الارهاب بلتسارغارثون محكوما عليه بالحرمان من ممارسة مهنته 11 عاما بعد إدانته في قضية تنصت غير شرعي أثناء تحقيقاته حول شبكة فساد طالت اليمين الإسباني سنة 2009، في انتظار الحكم في قضيته الثانية التي يحاكم فيها لمحاولته التحقيق بشأن مصير مفقودي عهد الدكتاتور فرانكو.

وبذلك ينتهي مشوار غارسون مع القضاء فيما يستمر مشوار علوني مع الصحافة بل ويزداد تألقا بالضريبة الغالية التي دفعها من حريته وبعد تغطيته لحربي أفغانستان 2001 والعراق 2003 وقد كاد يقتل فيهما جراء قصف مكتبه في كابول والفندق الذي كان يقيم فيه في بغداد. اللهم لا شماتة !!

* إعلامي تونسي مقيم في الدوحة

مشاركة الخبر:

Facebook! Twitter! del.icio.us! Google! Techorati! Stumble!

أكتب تعليقك