اللبنانيون “سطحيون” وطوني خليفة كشفهم !

رويدا مروة

رويدا مروة

هي من المرات القليلة التي أقضي فيها ليلة السبت أمام جهاز التلفاز “متشخصة” لمشاهدة حلقة من حلقات برنامج “للنشر” للإعلامي طوني خليفة على قناة الجديد ليس لأنه لديّ “تحفظّ” على نوعية بعض المواضيع التي يطرحها خليفة في برنامجه خاصة تلك التي تقترب من الفضائح “الفارغة” والتي لا يخرج منها المشاهد اللبناني والعربي سوى بتحريك “عابر” لغرائزه،بل لأنه لديّ إيمان بأن برنامج “للنشر” هو شبه الوحيد على الشاشات اللبنانية حاليا الذي يسمح منبره بخروج تقارير مهنية في كل حلقة تلقي الضوء على مآسي انسانية تارة وتقصير حكومي تارة اخرى.

والأمثلة التي فضح فيها البرنامج انتهاكات خطيرة كثيرة في هذا الإطار… ولأنّ المقال هنا ليس مخصصا لتقييم البرنامج المذكور ولا حتّى لتسليط الضوء على بعض الاخفاقات في اختيار مواضيع البرنامج من قبل فريق العمل الذي يدرك مسبقا ان بعض المواضيع “المثيرة” التي يختارها تشدّ غرائز المشاهد، ليس بالضرورة غرائزه الجنسية فقط فغريزة مشاهدة العنف المهين (كفيديو تعنيف العاملة الاثيوبية) والفتاوى الدينية الشاذة (كحلقة العنف ضد المرأة) والتي شغلت منبر “للنشر” قبل مدّة شاهدة على قدرة البرنامج لجذب مشاهدين أكثر كثافة من حلقة تتناول قصة الشاب اللبناني الذي أجرى عمليات تجميل ليصبح شبيها بالفنانة مايا دياب!…

هذه المرّة كلمة حق تقال لطوني خليفة وبرنامجه للنشر بعد أن قدّم حملة توعية “غير مباشرة” وربما “غير مقصودة” على مدى اسبوع كامل حول الإتجار بمعايير الجمال في لبنان عبر الأدوية والاعشاب التي تدّعي قدرتها على خسارة الوزن دون ممارسة اي نشاط رياضي او اتباع اي حمية غذائية!…

قبل أسبوع عرض خليفة في برنامجه تقرير حول اكتشاف دواء من الأعشاب ومن مياه النيل يمكن من انقاص الوزن بين 600 و 1200 غرام في اليوم الواحد بمجرد تناول جرعة سائلة منه… في تلك الحلقة حول المستحضر الجديد استضاف خليفة من مصر شخص ادّعى أنه طبيب مصري وأنّه صاحب الإختراع وتحدث بكل ثقة عن اختراعه وانه نال شهادة من منظمة الغذاء والأدوية الأميركية المعروفة اختصارا باسم FDA وأعلن انه جرّب المستحضر على الفئران…

هكذا بدت القصة مشوّقة جدا وانفرجت اسارير المشاهدين والمشاهدات الذين يعانون من الوزن الزائد بقرب التوّصل الى العلاج “السحري” الذي سيصبح محط اهتمام وسائل الاعلام العالم ان صحّت رواية الطبيب الشاب المصري!…

ليلة السبت الماضي أي بعد مرور اسبوع على عرض الحلقة المذكورة فاجأنا خليفة باستضافته في استوديو الجديد في بيروت الطبيب المصري ذاته برفقة سيدة تعاني من السمنة قررت التطوّع لتجربة العقار على جسدها!… تطوعت السيدة لتشرب الدواء في بداية الحلقة ليأخذ مفعوله ويرى المشاهدون النتيجة مباشرة على الهواء في نهاية الحلقة… تشّخص الجميع امام الشاشة واضطروا لمتابعة كل الاقسام المتبقية للبرنامج… لا شك انها كانت طريقة تسويق ذكية للحلقة من قبل خليفة!…

وما إن أعلن خليفة عن النتيجة النهائية في آخر الحلقة بابتسامة تغمره مقابل “لعنة” غمرت المشاهدين للحظات… فكل هذا من الدواء الى الطبيب الى المتطوعة لم يكن سوى مسرحية حيكت لأجل الاحتفال بكذبة أول نيسان على طريقة طوني!…

وشرح لنا خليفة بسرعة كيف انّه حاول ان ينشر التوعية حول مخاطر تصديق الناس لمستحضرات وادوية تدّعي قدرتها على التنحيف وعلاج امراض مزمنة السكري والكوليسترول لكننا تفاجأنا أن طوني استغل الاتصالات التي وردت على الجديد والرسائل القصيرة من الجمهور الذي اراد بعضه الحصول على جرعات من الدواء لتخفيف وزنه والبعض الآخر اراد الحصول على وكالة بيع الدواء وصولا الى اعلاميين وسياسيين وفنانين قال طوني انهم اتصلوا به ليعرفوا سرّ هذا الدواء!…

نعم نجح خليفة في كشف الوجه الخفي لمجتمع لبناني “استهلاكي” يبحث عن معايير الجمال بأي ثمن… جمال ارتبط بالخصر النحيف والأرداف المستديرة والقدمين الممشوقتين حصرا… حتى ولو كان الثمن دواءا مجهولا يأتينا من مياه نيل اشتكى المصريون انفسهم من تلوّثها لعقود!… والأغرب من ذلك “سطحية” اللبنانيين التي كشفها لنا خليفة حين عرض تقرير تضمن تسجيلات لمكالمات المتصلين المستفسرين عن سبل الحصول على الدواء…

هكذا سخر خليفة من متصل حين اكد له انّ الدواء نجح بتنحيف “فأر” كيلوغرام خلال 24 ساعة!… وسخر من متصلة اخرى بتشجيعها على شراء دواء آخر يكسبها طولا اضافيا!… دخلت في هذه اللحظة على صفحة البرنامج على الفايسبوك اردت ان استطلع تفاعل الناس مع “مسرحية” الدواء السحري… وجدت “الفايسبوكيون” يتفاعلون حول الأمر… فعبرّت “نور” عن اعجابها بالكذبة وضحكت كثيرا… بينما توّجهت “حياة” لطوني قائلة له ان الناس صدقته ليس لانهم “سطحيون” بل لأن لديهم ثقة بمصداقية خليفة وبرنامجه مضيفة ان “السمين” يتعلق باي بصيص امل للنحافة!… في حين استمرت “ريّا” بالاستفسار عن كيفية الحصول على الدواء وكاّنها لم تسمع نفي طوني لوجود هذا الدواء من الاساس!…

باختصار “شرب” متابعو برنامج خليفة “المقلب” ولكن هل “شرب” الرأي العام “الدروس” المكتسبة من “مقلب” للنشر؟…

هناك من غضب بدعوى أن الامر كان كذبة وتمنى لو انه حقيقة علمية!… للأسف لا يبدو المجتمع اللبناني قادرا على الخروج من قوالب “الشكل” النحيف المطلوب ليكون المواطن “على الموضة” وشكله “مقبول اجتماعيا”…

نجح خليفة في رصد “السطحية” المزمنة التي اصيب بها المجتمع اللبناني منذ سنوات تجاه أهمية الشكل الخارجي في حصول الفرد على القبول الاجتماعي… نجح ايضا في توجيه ضربة “مهنية” لمروّجي الأدوية والعقاقير التي تدّعي علاج الأمراض المزمنة كالسمنة والسكري وسواها عبر أقراص مصنوعة تارة من فواكه وتارة اخرى من أعشاب وسط غياب تام لرقابة وزارة الصحة والجمعيات التي تهتم بصحة المواطن، لا بل وسط تورّط لوزارة الصحة وبعض النقابات الطبية احيانا في الترويج لهذه الادوية والعقاقير والفضائح كثيرة ومنشورة منذ سنوات في الاعلام دون وجود من يسمع ومن يتحرك من الجهات المعنية بصحة المواطن!…

نجح طوني وفريقه ايضا في فتح باب جديد امام الاعلام اللبناني ليلعب دورا مهما في التوعية الاستباقية قبل وقوع المخاطر في وقت تعودت فيه وسائل الاعلام في لبنان انتظار وقوع الازمات والحوادث لتتحرك وتطالب بالحلول وتستغله لتوجيه ضربات للجهة السياسية التي تدعم الجاني في بلد استثماراته واقتصاده وقطاعاته شبه مملوكة من “قطّاع طرق” الاحزاب السياسية…

ولعلّنا في لبنان بحاجة لهكذا دور يلعبه الاعلام المحلي لا سيّما بعد أزمة سقوط المباني المتصدّعة وظاهرة فساد اللحوم وانتشار المخدرات في المدارس واللائحة طويلة… والدروس للاعلام قبل الشعب اللبناني “المخدّر” منذ سنوات والذي أصبح “إيقاظه” من غيبوبته الفكرية مهمّة شبه مستحيلة!…

* ناشطة وصحافية لبنانية، المديرة التنفيذية للمركز الدولي للتنمية والتدريب وحلّ النزاعات

مشاركة الخبر:

Facebook! Twitter! del.icio.us! Google! Techorati! Stumble!

تعليق واحد

  1. ندى:

    حلـــو

    تاريخ نشر التعليق: 03/05/2012، على الساعة: 9:52

أكتب تعليقك