براءة الجماهير لا براعة المشاهير

محمد أبو عبيد

محمد أبو عبيد

لا ينجح سياسيونا العرب، أو المرشحون للانتخابات التشريعية والرئاسية أو المتحزبون، وكلهم مشاهير، في التغلغل في أعماق الكثير من الجماهير بسبب ذكائهم ودهائهم، أو نظراً لعمق أفكارهم وواقعية برامجهم. السبب بسيط، وهو براءة غالبية الجماهير العربية، لا براعتهم هم.

والقصد من البراءة هنا ليس المعنى القانوني، أي عكس الذنب، إنما الصفة الطفولية بمعنى براءة الطفولة. وللموضوعية أقول غالبية الجماهير، لا كل الجماهير، هي المنعوتة بهذه البراءة التي سهلت الطريق على السياسيين عندنا كي يلامسوا مشاعرها ويتلاعبوا بعواطفها. بينما ثمة فئة من هذه الجماهير لا تنطلي عليها ما لذ من الخطب الرنانة، أو طاب من الادعاءات والأوهام، فحصّنت عقولها من انقضاض فيروسات الأكاذيب والهرطقات عليها.

إبان حرب الخليج عام 1990، وبعد أن قصف صدام حسين مناطق في إسرائيل بتسعة وثلاثين صاروخاً، هي كل ما كان في حوزته، صار الكثير يحلف الأيمان أنهم رأوا صدام جالساً في القمر ويتوعد إسرائيل من على ذاك الكوكب. وتناقل الكثير، حينها، هذا الخبر مصدقين هذا الزعم.

خلال حرب تموز في لبنان 2006، وخصوصاً بعد قول زعيم حزب الله حسن نصر الله: “ما بعد بعد حيفا”، وصلت غالبية الجماهير العربية تخوم القناعة أن نصر الله على وشك تحرير فلسطين من بحرها إلى نهرها، وأن جيش الاحتلال الإسرائيلي سيرفع الرايات البيض لإعلان استسلامه، وأن ملايين اليهود حزموا حقائبهم للرحيل نحو الأرجنتين، أو نيكاراغوا، أو بولاندا.

و حديثاً، صدقت فئة من الناس أن المرشح السلفي، المستبعد من انتخابات الرئاسة في مصر، حازم أبو اسماعيل عليه “توصية من الرسول”، عليه الصلاة والسلام، لأن “الله راض عنه”، بينما آشاع بعض آخر أنه المهدي المنتظر، وفقاً لما تناقلته مواقع التواصل الاجتماعي المصرية.

كلما صدرت حكاية خيالية من القصص التي يعشقها كثير العرب والمسلمين، صدقها رهط كبير منهم، ثم روجوا لها، كحكاية الملائكة التي تقاتل على خيول ضد نظام الأسد في سوريا. إنها الحكاية التي ذكّرتني بحكاية قيام أحد المعتمرين بتصوير الملائكة وهي تنزل على الكعبة المشرفة ليلة القدر، فبكى جمع غفير من الناس وهم يشاهدون مقطع الفيديو وما هو إلا مقطع مُختَلَقْ.

قبل سنة تقريباً راجت صورة، مفبركة أيضاً، على الفيسبوك، وغيره، تظهر يد جَنين تشق بطن أمه متوسلاً إلى طبيب أن لا يجهضه بطلب من الأم. ولم يمعن المصدقون لها النظر في أن حجم اليد البادية لهم أكبر مما تكون عليه يد الجنين في العادة، فقادتهم العاطفة نحو تجاهل العقل فصدّقوا.

هذه أمثلة قليلة من فيض أمثلة أكثر على العواطف الجامحة لدى غالبية الجماهير العربية، والتي جعلتهم متسمين ببراءة الأطفال. لذلك نجح السياسيون في قيادة السواد الأعظم من الجماهير، ليس بالذكاء ولا الدهاء، إنما بسبب طفولة الكبار الأبرياء. إنها اللابراعة في وجه البراءة.

* إعلامي فلسطيني مقيم في دبي

مشاركة الخبر:

Facebook! Twitter! del.icio.us! Google! Techorati! Stumble!

أكتب تعليقك