الخوفُ في أرضِ الإبداع

فضيلة سويسي

فضيلة سويسي

قلت في مقال سابق إن الثورة التي تضل الطريق تتحول إلى طغيان جديد. ويبدو أن هذا الطغيان اليوم يرمي بشباكه على الفن المصري.

ولست هنا بصدد الدفاع عن الفنان عادل إمام فهو ليس أكثر من يضحكني في عالمنا العربي، لكن الحكم الصادر بحقه والجدل الذي يُثار منذ أشهر حول ما يُعرف بقضية عادل إمام جعلني لا أميز بين المزحة والجد في الأحداث الجارية اليوم في مصر.

شاهدت أفلاما كثيرة لعادل إمام ولم أر فيها ما يزدري الأديان، بالمعنى المتعارف عليه. الرجل قدّم أعمالاً فنية لاقت إقبالاً وتأييداً وجماهرية عريضة، قدم أدواراً كوميدية وأخرى جادة تميل إلى الطابع السياسي حيناً والاجتماعي أحيانا أخرى ونذكر منها: إحنا بتوع الأوتوبيس، الأفوكاتو، حب في الزنزانة، طيور الظلام، الإرهابي، الزعيم وأخرى لا يسعني ذكرها هنا.

في المحصلة سيتفق معي القارئ أن للرجل أفلاماً نجحت وأخرى بالتأكيد كانت أقل نجاحاً. وعلى الرغم من أن محامي عادل إمام ذكر في مرافعة سابقة أن موكله سبق وأن عرض أعماله على هيئة المصنفات الفنية التي وافقت على عرضها على نحو يؤكد خلوها من أي إساءة أو تشويه، فضّل أحد المحامين إثارة هذه القضية الآن ومصر تشهد تحولات سياسية واجتماعية وثقافية بالغة الدقة.

فهل ملاحقة الفنانين في هذا التوقيت أولوية قصوى؟ وهل السينما المصرية هي المستهدفة؟ أم أنها تصفية حسابات ولو متأخرة مع عادل إمام الذي لطالما تحدى تهديدات التيارات الدينية المتشددة خلال التسعينيات من القرن الماضي بأفلام تنبذ العنف والإرهاب.

الفنانون في مصر إستبقوا هذه الزوبعة بجبهة الدفاع عن حرية الإبداع منذ بداية هذا العام تحسباً لأي استهداف للفن، لكنهم لم ينتبهوا إلى أن المناخ العام في مصر تغيّر منذ عدة أعوام قبل الثورة،

وأصبح هناك من يحرم الفن بكل أشكاله ويعتبره خطيئة وزندقة مع وصول ما يسمى بالمد السلفي إلى مصر، واختُرع بعد ذلك تعبير السينما النظيفة، كردِ فعلٍ على ذلك، ووجدت السينما نفسها طوال الوقت في موقف الدفاع، في الوقت الذي كان يُفترض أن تنهض بنفسها وبالذوق العام في وجه التطور النوعي والسريع الذي تشهده السينما العالمية من حولها.

أياً كان هدف من يثير هذه القضايا ضد عادل إمام أو غيره من الفنانين، فإنه يتسبّب ومن حيث لا يدري في إصابة التيار الذي ينتمي إليه أو يروج له في مقتل؛ لأنه بكل بساطة يكرّس المخاوف من اعتلاء تيارات دينية السلطة ويحصر دورها في شعارات وقضايا غير ملحة بالنسبة للشعب المصري، ويُظهر نظرتهم الدونية للفنون والإبداع. أما إذا كان يتصرف على قاعدة المثل الشعبي المصري “اضرب المربوط يخاف السايب”، فقد فشل لأنه خلق تيارا أكثر عنادا وتمسكا بفنه.

ألم يعرف هؤلاء أن الخوف والإبداع لا يجتمعان أبدا ؟

* إعلامية جزائرية مقيمة في أبوظبي

مشاركة الخبر:

Facebook! Twitter! del.icio.us! Google! Techorati! Stumble!

أكتب تعليقك