غزوة القيروان

محمد كريشان

محمد كريشان

حسنا فعل وزير العدل التونسي نور الدين البحيري حين صرح بأن الفسحة التي منحتها الدولة للسلفيين قد انتهت . وجه كلامه لهؤلاء الذين تمادوا كثيرا وظنوا أن الدولة خائفة منهم قائلا بأنه لن نسمح بإقامة دولة داخل الدولة،وذلك ردا على سؤال بشأن موقف السلطات من مهاجمة سلفيين حانات مرخصا لها وإغلاقها بالقوة في مدينة سيدي بوزيد وسط البلاد.

لقد برهن سلفيو تونس، الذين خرجوا من تحت الأرض بعد سقوط بن علي ولم يكن لهم وجود في عهده ولا هم ساهموا في الاحتجاجات التي أدت إلى إسقاطه، أنهم قادرون على المضي خطوة إلى الأمام كلما شعروا بأنهم يتمتعون بنوع من ‘الغطاء’ من الحكومة جعلهم يتجاسرون على الناس ويرهبونهم ويعتدون على صحافيين ورجال ثقافة وفكر ويمنعون اجتماعات وندوات أو يخرجون بعض المفكرين منها.

الآن مروا إلى خطوة أخرى هي محاولة فرض القانون على مزاجهم، فاليوم يغلقون الحانات ويطاردون السكارى وغدا قد يغلقون الفنادق ويرهبون السياح وبعد غد قد يشرعون في إقامة الحدود في الساحات العامة.

قبل عدة أسابيع صرح وزير الداخلية التونسية علي العريض وهو من حركة النهضة أن الاصطدام بالسلفية الجهادية في بلاده بات أمرا لا مفر منه بعد اكتشاف أسلحة ومخطط عمليات مسلحة، والآن يقول وزير العدل نورالدين البحيري وهو من حركة النهضة كذلك إن السلفيين تجاوزوا هذه المرة كل الخطوط الحمراء.

وإذا ما أخذنا التعبير الذي استعمله فريد الباجي خطيب جامع في مدينة سوسة الساحلية، بعد مواجهات جرت في أحد مساجد المدينة إثر صراع للسيطرة على هذا المسجد، فإن السلفيين المتشددين في البلاد سينتقلون من التنظير والتكفير إلى التفجير، محذرا من تحوّل تونس الى غابة وفوضى كبيرة.

وإمعانا من هؤلاء السلفيين في استعراض قوتهم غير عابئين لا بتخوفات عموم التونسيين ولا بتوجسات السياسيين ولا بتحذيرات المرعوبين، تداعوا إلى تظاهرة كبيرة جمعتهم كلهم، مع تيارات أخرى ممن يدعمون تطبيق الشريعة في البلاد، في مدينة القيروان التاريخية العريقة التي أسسها عقبة بن نافع في العام 50 هجري، 670 ميلادي.

ما تسنى مشاهدته من لقطات حول هذه التظاهرة في القنوات التلفزيونية وشبكات التواصل الاجتماعي كفيل بإثارة الفزع على أمن تونس واستقرارها ومستقبلها في ظل ما يعلنه هؤلاء وما يضمرونه.

آلاف هؤلاء تجمعوا تحت سور المدينة قرب جامع عقبة بن نافع الشهير في ما يشبه تسجيل مشهد لفيلم سينمائي تاريخي، أشكالهم ولباسهم توحي أنهم من زمن غابر ومن غير هذه البلاد أصلا.

رفرفت راياتهم السوداء في كل مكان وتعالت تكبيراتهم وحتى هتافاتهم ضد اليهود الذي سبق أن استهجنها رئيس الدولة ورئيس الحكومة وكأنهم بذلك أرادوا إثبات أنهم لا يعبأون بما يقال عنهم وماضون في ما استقر عليه أمرهم. لم يكتف هؤلاء بكل ذلك بل جلس زعماء هذا الاجتماع وضيوفهم على كراسي في المنصة وتابعوا استعراضا محدودا على سجاد قيرواني لملثمين يتدربون على فنون القتال والمصارعة وسط تكبيرات الحضور وكأن هؤلاء سينطلقون من هناك لفتح باقي مدن البلاد وو الجزائر والمغرب وإسبانيا وإفريقيا كما حدث فعلا في التاريخ انطلاقا من القيروان!!.

ومع أن السلفيين حصلوا على حزب سياسي في محاولة من الدولة لاستيعابهم داخل منظومة العمل الديمقراطي وصراع الأفكار والبدائل في البلاد، إلا أن هؤلاء على ما يبدو لا يعنيهم هذا كثيرا بقدر ما يهمهم، في استعجال واضح، فرض فهمهم الخاص للإسلام على عموم التونسيين بالتخويف والترويع وبالعنف أيضا.

هناك نذر فتنة تطل برأسها في تونس ولابد من وأدها بالقانون ومع كل الاحترام لحقوق الإنسان وكرامته. لم يعد هناك مجال للسكوت بعد اليوم لأننا سندفع ثمنه غاليا في المستقبل من استقرارنا وأمننا وحريتنا وحرية الجيل المقبل في عيش كريم في كنف دولة عصرية تحترم هوية شعبها العربية الإسلامية لكنها تضمن الحريات الفردية والعامة وتصون التعددية وحق الاختلاف. هل تكون الحكومة بدأت تدرك ذلك قبل فوات الأوان ؟! .

نتمنى ذلك فعلا.

* إعلامي تونسي مقيم في الدوحة

مشاركة الخبر:

Facebook! Twitter! del.icio.us! Google! Techorati! Stumble!

تعليق واحد

  1. احمد الحباسى تونس:

    بطبعى أريد أن يكون الفضاء الافتراضى مساحة خالية من الخدش و السباب و قلة الحياء..هذه مساحة جاءت رحمة من السماء و لا يجب أن ننفث فيها اوكسيد الكربون.
    فقط و أنا أحترم السيد محمد كريشان ليس كتونسى صنع نفسه بنفسه فى مجال يصعب فيه التفوق بسهولة لا أجد تفسيرا لرجل متميز بحق أن “يشارك” فى مؤامرة مقرفة على الشعب السورى من قناة ظهرت عيوبها للعموم فكيف “للداخل”.
    و حتى أستبق بعض “الردود” المعروفة و السطحية أقول لست مع أى نظام عربى فى المطلق فقط أنا مع المنطق و لغة الحوار و نبذ الضغينة مهما تفرقت بنا السبل و أحتارت المفاهيم و تبدلت المواقع…
    فى الحقيقة “يملك” العرب حكماء و رجال فكر لهم من الاهمية ما فرض هيبتهم على العالم و بهذا المعنى كنت ممنونا لو شارك هؤلاء فى صنع الحل فى سوريا و لو على كرات و فصول بل أكاد أجزم أن كل الشعوب العربية ستهدر بمساندة هذا الحل و الدفع بقوة الى أن يصير واقعا ملموسا.
    بدل أن يشارك السيد كريشان بتنظير للجريمة الجزيرية التثويرية التى مهما تفهمنا الدوافع و مهما صقنا النية عن مضض لا نراها تدفع الفرقاء الا الى الاقتتال الى اخر رمق.
    من أبجديات الاعلام أن يدفع الى التنوير و التثقيف و الى الحقيقة و الى الحلول الممكنة…ليس مهمة الاعلام نشر الفوضى و البغضاء و اليتم الجدلى…هذه مهمة قذرة للمخابرات…للعملاء…للصهيونية…هذه ليست مهمة نبيلة اعلامية.
    بالطبع هناك من يقول أن النظام لن يقبل الحلول ” السلمية” و يستدلون على ذلك بأمثال كثيرة صحيحة أو خاطئة و لكن الواقع عكس ذلك لان النظام السورى ليس على كل حال أسوأ من النظم العربية الاخرى و لا أكثرها قبحا…هو نظام عربى ” تربى” على نوع من القناعات و الرؤى مشت عليها الشعوب و قبلتها لفترات معينة غير أن هذا النظام كغيره لم يقتنع أن الا طروحات كالادوية تنتهى بنهاية مدة صلوحيتها و يجب الانتباه الى تغيير العقلية و الخطاب و التمشى لينصهر مع واقع الشعب و متطلباته و طموحاته الجديدة.
    نعم كانت هناك أخطاء عديدة نعرفها جميعا و لكن من المستحيل أن أقتنع أنه لم يكن بالامكان الذهاب الى مكان غير لون الدم…كان بالامكان اقناع النظام و “أحباب و أصدقاء النظام” بوجوب التماهى مع الشعب بشكل ايجابى متطور هذا لو صدقت نوايا بعض العرب و بعض اعلام العرب.
    ببراءة أسأل هل النظام السعودى و القطرى يمثلان المبتغى العربى من حيث توفر كل المساحات المطلوبة و بخاصة التداول السلمى على السلطة.
    ببراءة أسأل أذا ما كانت السعودية و قطر ” تحبان” الشعب السورى فلماذا لم تستثمر فى سوريا و تخلق مناخا مواتيا للرفاهية و الكرامة لشعب شقيق…
    ببراءة أسأل لماذا تصرف المليارات فى تسليح “المعارضة” و لا تصرف فى ما يفيد كل الشعب السورى؟ فقط أسأل و أريد أن أفهم.
    السيد محمد كريشان كان فى ” الجزيرة” يناقش الخبر و ما وراء الخبر فلماذا لم يناقش المواقف و ما وراء المواقف…هل أن ما طرحته من تساؤلات هو محض خيال و لا يستحق الطرح من الاساس…هل نصدق أن سى كريشان لا يعرف ماذا وراء “الجزيرة”…ماذا وراء سفن الاسلحة المتجهة الى صدور السوريين…هل نصدق أن الرجل متيقن من أن هاته الاسلحة لن تصيب الا “الكافرين” من النظام…هل نصدق أنه لم يسمع بالافغان و بالقاعدة و بالمخابرات المختلفة و بالصحفيين المتخفين وراء بادج الصحافة لاعمال أخرى معروفة…هل نصدق أنك سيدى لم تسمع بالفيديوهات المفبركة و بشهود العيان المفبركين… هل نصدق أنك لم تسمع الا ما يراد لك أن تسمع…
    سيدى تتحدث عن الثورة التونسية…و هنا أسأل ببراءة طفولية…هل أنك لم تسمع بأن هناك من شعبك من عرى صدره للرصاص و خضب أرض تونس بالدم الزكى…أتدرى لماذا سيدى..حتى تفخر أنت و غيرك بأنك تونسى…لا أكثر و لا أقل.
    تتحدث سيدى عن الثورة و تشير الى من ركبها الان من “الثوار ” الجدد…أسألك ماذا فعلت أنت لهاته الثورة لتعيش فى الوجدان…لتنمو فى الفكر…لكى لا تقتل أو توئد من جديد؟
    تتحدث سيدى عن الثورة و لكنك تنسى أن الثورة كرامة فلماذا لا “تكرم” لحيتك بيدك سيدى و تستقيل من جزيرة العار…الشرفاء يموتون واقفين…الاحرار يموتون كالاشجار واقفة…
    أنت سيدى تونسى حر فلماذا ترفض أن تسير معنا فى ركب الحرية…لماذا لا تترك أهل البلاء فى البلاء و تنتصر الى مهنيتك و انسانيتك و تونسيتك و عروبتك…لا نريد منك أن تكون مع النظام و لا ضد النظام…اللعبة قذرة من هنا و هناك…فقط تبرأ من الخطيئة …تبرأ من كذب الكلمة و خيانة الامان الصحفية التى تربيت فيها الى النخاع…نحترمك…فاحترم سيدى من فضلك احترامنا لك.

    تاريخ نشر التعليق: 29/05/2012، على الساعة: 16:53

أكتب تعليقك