البشير و المصير

محمد كريشان

محمد كريشان

الرئيس السوداني عمر البشير حر في أن يعتبر ما يجري في بلاده منذ قرابة الأسبوعين جزءا من ‘الربيع العربي’ أم لا، لكن من حق غيره أن يراه بلا شك خريفا جليّا لنظامه.

من ألطاف الله أن لا أحد، إلى حد الآن، سقط قتيلا في المواجهات الحاصلة بين جموع من المواطنين وقوات الأمن في غالبية المدن السودانية على خلفية رفع الدعم عن المحروقات، ولكن إن حصل ذلك فلن تتوقف المظاهرات بل ستزداد شراسة.

أما بقية أركان سيناريو ما حدث في أكثر من دولة عربية فمتوفر في السودان وأوله إنكار وجود أزمة في البلاد والعجرفة في التعاطي مع هؤلاء الذين ينزلون إلى الشوارع بعد أن ضاق بهم الحال إلى حد الانفجار.

كثير مما حصل في تونس وليبيا ومصر وسورية ازدادت حدته بسبب الرعونة وعدم المسؤولية في تصريحات قادته عندما شرعوا في رمي الأوصاف على مواطنيهم الغاضبين من سياساتهم الاجتماعية والسياسية.

هؤلاء المحتجون في السودان هم من ‘شذاذ الآفاق’ في تقدير البشير، وهم كذلك من ‘المخذلين والمتآمرين والعملاء’ و’فقاقيع ستزول’.

أكثر من ذلك، منّ البشير على هؤلاء بأنه لم يستعمل معهم وسائل القمع الأقوى التي لديه لأنه لو أراد ذلك لبعث لهم كتائب ‘المجاهدين’ التي كانت يرسلها لمحاربة أهل الجنوب من ‘الكفار’ قبل أن يستقل هؤلاء العام الماضي فيحرموا البلد من مليارات الدولارات ومن ثلاثة أرباع احتياطيها النفطي.

ومع ذلك، فإن بعض التقارير تشير إلى أن النظام بدأ يستعمل هو الآخر ‘شبيحته’ لنرى في النهاية الطبعة السودانية لهذا الرهط من الناس بعد أن عرفنا الطبعة المصرية والليبية واليمنية وبالطبع السورية التي ما زالت إبداعاتها الإجرامية اليومية متواصلة.

‘إذا أراد شعب السودان أن ينتفض فسينتفض بأجمعه’… هكذا رأى البشير الذي يرى أن الشعب ما زال ملتفا حول قيادته بدليل أنه تجول، كما قال، في بعض أحياء العاصمة في سيارة مكشوفة فلما رآه بعضهم هتف ‘الله أكبر’!! أي منطق سياسي هذا ؟!!

وأي مسؤولية تليق بأعلى هرم الدولة عندما لا يجد ما يقوله سوى أنه ‘لا يخاف أن يقلعونا من الحكم.. لا أمريكا ولا غيرها.. لأن الحكم من عند الله والسعيد من يموت ميتة وجيهة’ وأن ‘الملك لله يعطيه من يشاء وينزعه مما يشاء’!!؟ .

إذن هو يقود السودان بإرادة إلاهية ولن يترك دفة الأمور فيها إلا إذا أراد رب العالمين عكس ذلك. أي توظيف أسوأ من هذا عندما تجعل الرحمان الرحيم ضامنا لدكتاتورية عسكرية دينية مستمرة لأكثر من عشرين عاما؟!!

فترة لم تقدم فيها قيادة ‘المشروع الحضاري’ للبلاد سوى المزيد من التفقير والتخلف والعزلة الدولية والتفريط في جزء عزيز من البلد ثم الانقلاب لقمع أبناء الشطر المتبقي منه عندما انتفض بعضهم احتجاجا على إجراءات رأوا أنها تزيد من إفقارهم مقابل فساد أهل السلطة الذي وصل إلى حد الهتاف ضد ‘لص كافـــوري’.

كافوري هذه، منطقة في العاصمة الخرطوم يقول أهل السودان، إن الرئيس خصصها لأهله وعشيرته بعد أن أتى بهم من منطقة ‘حوش بانقا’ الفقيرة في شمال البلاد، فتحولت بهم ولهم إلى منطقة من أرقى وأغلى ما هو قائم في العاصمة.

لا أحد من رؤساء تونس وليبيا ومصر واليمن المطاح بهم، أو من هم في الطريق بلا شك، امتلك الجرأة ليحترم شعبه في أول ظهور له بعد بدء الاحتجاجات ضدهم.

كلهم أخذتهم العزة بالإثم، لم يمتلكوا حتى شطارة محاولة احتواء حالة الغضب وتقديم التنازلات عندما تكون الأمور ما زالت في بدايتها قبل أن تفلت من أيديهم.

البشير يعيد نفس السيناريو !! ما فعله مثلا لم يتجاوز إعفاءه لجميع مستشاريه التسعة وذلك في ‘إطار إعادة هيكلة الحكم والإدارة’.

طبعا هو خارج هذا السياق… لأنه باق بإرادة رب العباد الذي يريد ‘توريطه’ في ظلم حرّمه رب العالمين على نفسه وحرّمه على عباده.. ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

* إعلامي تونسي مقيم في الدوحة

مشاركة الخبر:

Facebook! Twitter! del.icio.us! Google! Techorati! Stumble!

تعليقان 2

  1. الشاعر رحال نسيم رياض الجزائري:

    لمن فَدَنٌ بتكريت واضحُ
    تحج إليه القِلاصُ اللواقِحُ
    دفعتُ إليه فجرا راحلتي
    فطريقها قفارٌ مديدٌ ولافِحُ
    تشق القبائلُ البيد إليك باكيةً
    فالشوقُ لك يا صدام جامِحُ
    نصلُ إلى قبرك المزارِ فنعقِرُها
    فأدمُعٌ ودماءٌ على ثراك سوافِحُ
    قهرت أعداءنا وشفيت قلوبنا
    فلما ذهبت احتلنا الذئابُ الجوارِحُ
    أهل الخليج أهل نفاقٍ ما حيَوا
    فهم عملاءٌ وكلابٌ نوابِحُ

    تاريخ نشر التعليق: 01/07/2012، على الساعة: 13:41
  2. الشاعر رحال نسيم رياض الجزائري:

    السيد (عمر كريشان)، الأخ المحترم..
    لما نراك تتلو بيانات الأخبار في بلاتوه الجزيرة، أو تحاور ضيوفها في بعض حصصك، نشعر بالتعاطف معكم لأنكم -كما كنا نظن- مجبورون على تبني الخط الإعلامي والارتكاز على الأرضية الإيديولوجية للجزيرة، التي صارت بوقا من أبواق برنارد ليفي وشرذمته، وجميع عرابي هذا الربيع العربي العظيم بنظركم، لكن أن تعلق في موقع آخر بكل حرية، وتعبر عن رأيك الخاص، بهكذا تهجم على نظام البشير، بنفس القاموس اللغوي للجزيرة، هذا القاموس المبتدع حديثا لإضفاء شرعية وهمية على ثورة عجائبية ينقلب فيها الشعب ليس على رأسه فقط، بل على ثلثيه أو ثلاثة أرباعه أو نصفه إن أردت، وهذا يسمى حربا أهلية في القاموس الكلاسيكي المعروف، وأنتم صيرتموه ثورة مضفرة ضد الطغاة، ألم تر بأن القذافي كان يقف معه نصف شعبه على الأقل (متأكد بأن العدد أكبر لكنني أتنازل عن الأغلبية لغرض الحوار الجدي)، وأن من كانوا يساندونه اختبأوا في دورهم خوفا من بطش الثوار المرتزقة والانتهازيين؟؟ قناة الجزيرة لم تكن تظهر المظاهرات الحاشدة المساندة للعقيد المرحوم، ولم تكن تبدي سوى نصف الحقيقة ونصف آخر من أكاذيبب وصب للزيت على النار. ثم ألم تر أن الثوار المرتزقة بمساعدة الناتو والقزمة قطر، وإلى يومنا هذا، يقتلون ويسجنون ويغتصبون أفراد القبائل الموالية للقذافي؟؟ لماذا تتكتم الجزيرة على الغطرسة والتصفيات والاستبداد الذي يمارسه حكام ليبيا الجدد كما يسميهم البراغماتيون، على طائفة من شعب ليبيا، والإبادة التي يشهدها الطوارق بغدامس وغيرها، والتبو أيضا! أأنت من المبصرين حقا يا سيدي أم أن عملك في الجزيرة حور واعيتك وظميرك لهذه الدرجة.
    أما عمر البشير، فإن طبق إجراءات تقشفية وهو رئيس على بلد متذبذب الأوضاع الاقتصادية حاليا، فلأن التقشف نفسه سياسة تطبقها حتى الدول الغربية: يطبقها اليونان حاليا، وخرج اليونانيون و-قلبوها- محتجين، فلماذا لم تسيِّس القضية ومررت عليها مرور الكرام، التقشف طبقه البرتغال، فلماذا تلوم البشير الآن، لأنك تستثمر في كل شيء لإثارة الفتنة ولتمرير مشروع الأسياد الغربيين وجماعة كلينتن في كل أقطار الأمة العربية وتتمنى أن تكون تلميذا نجيبا!
    ثم عندي لك سؤال آخر، لماذا أنت وجماعتك تتحذلقون في تأويل ما يحدث في كل مكان لما يخدم الفتنة الكبرى التي نعيشها، بينما لا تحركون إصبعا لما تحدث مشكلة ما بممالك الموز الخليجية وتتظاهرون بالأمية المطبِقة، للحفاظ على مناصبكم لدى هذه العوائل المخزية؟؟؟ عليكم العار والشنار من مرتزقة إعلاميين. ثم لماذا لم تتألم لتقسيم السودان الذي كان أكبر بلد عربي، ولماذا لا تتحدثون عن فضائح آل سعود ونهيان ولست أدري، وفضائح القرد القطري الذي صافح ليفني والفيديو معروف، وأكثر من هذا ونكتفي بالتلميح، والله إنكم لرجال آخر زمان.

    تاريخ نشر التعليق: 27/06/2012، على الساعة: 18:25

أكتب تعليقك