معيار استقلال القرار

أجرى رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو  اتصالا هاتفيا مع الأمين العام للأمم المتحدة بان كى مون لإقناعه بعدم حضور قمة عدم الانحياز فى طهران.

فهمي هويدي

فهمي هويدي

وطبقا لما نشرته صحيفة يديعوت أحرونوت فإن نتنياهو قال فى اتصاله الهاتفى إن ذهاب الأمين العام للامم المتحدة إلى طهران يضفى الشرعية على نظام يهدد السلام العالمي.

لم تشر الصحيفة إلى رد السيد بان كى مون، لكننى أتصور أن أي مهتم بالسياسة سوف يعتبر كلام رئيس الوزراء الإسرائيلي مزحة سمجة، لأن الجميع يعرفون نتيجة استطلاع الرأي الذي قام به الاتحاد الأوروبي، والذى ذكرت الأغلبية فى نتائجه ان إسرائيل وليست إيران هى الأكثر تهديدا للسلام العالمي.

ولكن السيد نتنياهو لا يراهن فقط على ضعف ذاكرة الأمين العام للأمم المتحدة، ولكنه يستخدم فى خطابه استقواء بلاده بالولايات المتحدة الذى جعلها تتحدى الإرادة الدولية بممارستها فى الأرض المحتلة، كما تتحدى أحكام محكمة العدل الدولية خصوصا فى قرارها بطلان إقامة السور العازل.

أحد الأسئلة التى تطرحها  واقعة الاتصال الهاتفي ما يلي : هل تلقى الرئيس المصري الدكتور محمد مرسى اتصالا مماثلا من نتنياهو؟..

معلوماتي أن مصر لم تعلن رسميا ان رئيسها لن يحضر المؤتمر، لكنني قرأت خبر امتناعه عن حضور المؤتمر فى الصحف الإسرائيلية والصحف السعودية التي تصدر فى لندن. وإذا نحينا جانبا دلالة تلك المصادفة، فإن السؤال يظل واردا، خصوصا ان مصر فى تعاملها مع الملف الإيراني لاتزال فيما بدا حتى الآن ملتزمة بالاطار الذى ظل معمولا به فى عهد الرئيس السابق.

الأمر الذى يدعونا إلى إعادة صياغة السؤال لكى يصبح على الوجه التالي : هل كان الرئيس المصري بحاجة إلى اتصال من رئيس الوزراء الإسرائىلي أو غيره لكي يمتنع عن المشاركة فى قمة  طهران؟

ليست لدي معلومات فى هذه الجزئية تحديدا، لكنني أفهم أن الضغوط التى مورست على الرئيس المصري لكي يقاطع قمة طهران لم تمارس من إسرائيل أو الولايات المتحدة، ولكنها كانت من الدول العربية من ناحية ومن المؤسسة العسكرية المصرية من ناحية ثانية. وليست بعيدة عن الذاكرة التصريحات التى أدلى بها الدكتور نبيل العربي حين تولى وزارة الخارجية، قبل انتخابه أمينا عاما للجامعة العربية، والتى دعا فيها إلى تصويب العلاقة مع إيران، بحيث يتم التطبيع بين القاهرة وطهران كما هو الحاصل مع بقية الدول العربية. ذلك ان تلك التصريحات أحدثت دويا شديدا فى منطقة الخليج بمجرد اطلاقها. واضطر الدكتور العربي حينذاك لأن يقوم بجولة خليجية لكى يشرح فيها وجهة نظره ويهدئ من خواطر القادة الخليجيين.

اتصالا بهذه النقطة فإن وزارة الخارجية المصرية كانت فى الماضي ومازالت فى الحاضر، منحازة إلى فكرة التطبيع مع طهران، ليس فقط لأن مـد الجسور مع الجميع فى الخارج يعد جزءا أساسيا من وظيفتها الطبيعية، ولكن أيضا لأن الدبلوماسية المصرية مدركة تماما لأهمية تعزيز العلاقات بين الدول المحورية الثلاث فى الشرق الأوسط، وهى مصر وتركيا وإيران. بقدر ما انها مدركة لحجم الخسائر التى تترتب على عدم التواصل بين اضلاع ذلك المثلث، والتى من شأنها إضعاف كل دولة على حدة، والتأثير سلبا على قضاياها المشتركة.

ولم يعد سرا أن ثمة قوى إقليمية ودولية (إسرائيل والولايات المتحدة بوجه أخص) أشد حرصا على إحلال التقاطع محل التواصل بين اضلاع ذلك المثلث.

معلوماتي أيضا ان حذر المؤسسة العسكرية أكبر فى مسألة السياسة الخارجية، وانها فى ذلك أقرب إلى الالتزام بالخطوط المرسومة لمصر فى عهد النظام السابق، ولابد ان يلفت انتباهنا فى هذا الصدد ان التصريحات الإسرائيلية والتسريبات الأمريكية تتحدث بثقة واطمئنان أكثر عن تلك المؤسسة، وتعتبرها الطرف الأكثر تفهما لها وتعاونا معها.

لكن العنصر الأكثر حسما فى المشهد يتمثل فى عدم استقرار الجبهة الداخلية، الأمر الذى لا يشجع القيادة السياسية على فتح ملف السياسة الخارجية وتصويب ما يعتورها من عوج لا يستقيم استمراره فى ظل الثورة التى قامت دفاعا عن كرامة المواطنين وكرامة الوطن أيضا.

الأمر الذي يستصحب ضرورة الانعتاق من معسكر التبعية واستعادة الاستقلال الوطنى. وهى النقلة التى لم تتحقق حتى الآن. وهو ما قد يفسر لنا اعتذار الرئيس المصري عن عدم المشاركة فى قمة طهران دون أن يتلقى اتصالا هاتفيا من نتنياهو. ليس فقط لأنه لا يريد. ولكن لأنه فى ظل المعادلات الراهنة لا يستطيع.

لقد أصبحت العلاقة مع إيران أحد معايير استقلال القرار السياسى المصرى. الأمر الذى يسوغ لنا أن نقول إن قرار مصر تطبيع العلاقات مع طهران، سيكون إعلانا عن انعتاقها من أسر التبعية وانتقالها إلى فضاء الاستقلال المنشود.

* كاتب و مفكر مصري

مشاركة الخبر:

Facebook! Twitter! del.icio.us! Google! Techorati! Stumble!

تعليق واحد

  1. مكسار زكريا : كاتب و شاعر جزائري Mekesser Zakaria Author:

    أنا يوسف يا أبي

    عندما أقرأ الموضوع يخيل لي كأني في بلاط فرعون ، الذي يتحرى بني إسرائيل بين الجريمة و الحكمة في شخص يوسف عليه السلام و إخوته ، لأن الأزمة تفاقمت في القصر بين الحقيقة و الخيال ، مما جعله يحتلم و يبحث عن ااحقيقة و الحكمة في هذا الإنسان ، من أجل الإستقلال في أخذ القرار أمام الرهبان … ،

    ـ بقلم : الكاتب ، الأديب ، الشاعر و الفيلسوف الكبير مكسار زكريا

    تاريخ نشر التعليق: 14/09/2012، على الساعة: 2:37

أكتب تعليقك