الاحتجاجات ستستمر حتى تتوقف إهاناتكم

الاحتجاجات ستستمر حتى تتوقف إهاناتكم

- ‎فيرأي في حدث
44
0

ندرك جيدا ان الحملات البذيئة المسيئة للإسلام والمسلمين، والنبي محمد صلى الله عليه وسلم على وجه الخصوص، هدفها الاستفزاز واشعال فتيل الاحتجاجات الغاضبة في عواصم العالم الاسلامي ومدنه، وتخريب العلاقة مع الغرب الذي يحتضن هذه الحملات، او يغضّ النظر عن الذين يقفون خلفها تحت ذريعة احترام حرية التعبير.

مثلما ندرك ان هناك مدرستين: الاولى تطالب بضبط النفس وعدم الانجرار وراء هذه الاستفزازات المتعمدة، لأن الاحتجاج ضدها، والعنيف منه بشكل خاص، يخدم اصحابها، ويلفت الانظار الى الافلام والرسوم الكارتونية المسيئة، مما يحقق لها ولأصحابها الشهرة التي يريدون.

 

عبد الباري عطوان
عبد الباري عطوان

اما المدرسة الثانية فيرى اصحابها ان الاحتجاج حق مشروع، بل هو فرض على كل مسلم، لأن الدفاع عن الرسول صلى الله عليه وسلم والعقيدة الاسلامية ‘فرض عين’، وواجب على كل مسلم لوضع حد لمسلسل الاهانات المستمر، لان الصمت يعطي نتائج عكسية تماما.

وجهتا النظر تستحقان الاحترام وتنطويان على الكثير من المنطق، شريطة ان تقدم المدرسة الاولى البديل الحضاري والعملي الذي يمكن ان يعطي مفعوله في وقف هذه البذاءات، وان تلتزم المدرسة الثانية بالاحتجاج السلمي بعيدا عن العنف، حتى لو كانت السفارات تمثل دولا ترتكب كل الموبقات، ولا تعير اي اهتمام للقوانين والمعاهدات الدولية.

ما يخذل المدرسة الاولى ويرجّح كفة المدرسة الثانية، وخاصة المؤمنين بالعنف في اوساطها، ان العالم الغربي، والولايات المتحدة الامريكية زعيمته، لا يقــــدم على خطوات قانــــونية لوقف مسلسل الإهانات والبذاءات، بل يـــصرّ على تـــوفير الحـــماية لأصحابه، وهو يعــرف جيدا هويتهم واهدافهم ، تحت مبررات غير مقنعة، مثل نصوص الدستور الامريكي الداعمة لحرية التعبير.

الدساتير الغربية لا تنصّ على غزو الدول وترميل الملايين من نسائها، واحتلال اراضيها، وارتكاب مجازر في حق مواطنيها، ومع ذلك تقدم هذه الدول، والولايات المتحدة على وجه الخصوص، على هذه الجرائم في العديد من دول العالم الاسلامي.

الاحتجاجات التي قام بها اكثر من الف مسلم في بريطانيا نجحت في منع عرض برنامج مسيء الى الرسول الكريم في القناة البريطانية الرابعة، والمظاهرات الصاخبة امام السفارات الامريكية في القاهرة وبنغازي وطهران وبيروت واسلام اباد وجاكرتا، وكل العواصم الاسلامية، هي التي دفعت الحكومة الامريكية الى اعتقال منتج الفيلم المسيء للرسول الكريم، وان كان ذلك في قضايا اخرى.

العلاقات بين العالم الاسلامي والغرب ليست وردية، ولا يجب ان تكون طالما ان هذا الغرب يغزو بلادنا، ويدعم الاحتلال الاسرائيلي لمقدساتنا وعمليات التهويد التي تتعرض لها بطرق منهجية ومدعومة جزئيا من اموال دافع الضرائب الامريكي.

نحن لا نكره امريكا، ولكن امريكا لا تحبنا، ولا تريد ان تحبنا، نحن نكره انحيازها لاسرائيل، ونظرتها الانتقائية للديكتاتوريات العربية، ودعمها لصنف ومحاربتها لآخر، والمعيار هو استمرار اسرائيل قوية مهيمنة في المنطقة.

بالأمس فقط فاجأنا قاض امريكي في منهاتن بإصدار حكم يجبر هيئة النقل في مدينة نيويورك على نشر اعلان لجمعية امريكية موالية لاسرائيل(مبادرة الدفاع عن حرية الامريكيين) يقول ‘في اي حرب بين الانسان المتحضر والانسان الهمجي ادعم الانسان المتحضر.. ادعم اسرائيل.. اهزموا الجهاد’.

الجهاد الذي يعتبر احد اركان العقيدة الاسلامية الاساسية اصبح عملا همجيا بمقتضى هذا الاعلان، اما اسرائيل التي يطالب بدعمها فهي الدولة الحضارية المتقدمة، بغض النظر عن استخدامها الفوسفور الابيض لحرق اجساد اطفال غزة، والصواريخ لتمزيق جثامين اهالي قانا في جنوب لبنان، وارتكاب عملائها في لبنان مجزرة صبرا وشاتيلا.

الغزو الامريكي للعراق، والمجزرة التي ارتكبتها القوات الامريكية في مدينة الفلوجة حيث دمرت البيوت فوق رؤوس اهلها، وجرى اعدام الجرحى في المساجد بدم بارد، فهذا ليس عملا همجيا على الاطلاق، فقط المسلمون هم الهمج وهم المتخلفون وغير الحضاريين.

هذا القاضي الذي حكم بإجازة هذا الاعلان وفرضه على هيئة النقل، لتعليقه في محطات المترو الا يعلم انه يجرح مشاعر حوالى ثلاثة ملايين مسلم امريكي، علاوة على مليار ونصف المليار مسلم، ويمكن ان تؤدي فتواه هذه الى صدامات دينية وعرقية توقع ضحايا ابرياء؟

مسلسل الإهانات للاسلام والمسلمين يجب ان يتوقف، وكفى التذرع بحرية التعبير، ففي بريطانيا التي أقــــيم فيها جــرى اعتقال فتاة مراهقة من اصل باكستاني لأنها كتبت قصيدة تعرب فيها عن تأييد خجول لتنظيم القاعدة، بحجة التحريض على الارهاب.
التحريض ضد المسلمين، والاساءة بكل البذاءة ضد رسولهم الكريم هو حرية تعبير، اما قصيدة ركيكة من فتاة صغيرة مراهقة ومحبطة فهو تحريض على الارهاب. اي عدالة هذه؟

المسلمون لا يريدون الحروب، ولا يتطلعون اليها او يحرضون عليها، فهم لا يملكون حاملة طائرات واحدة، ولا يوجهون صواريخهم نحو امريكا او اوروبا، يريدون العيش الكريم، والتعايش مع كل الحضارات، وهم دائما الطرف الذي يتلقى الصفعات والركلات الصاروخية.

يريدوننا ان نتلقى ضـــربات سياطهم دون ان نصـــرخ من الألم، مثل البهائم تماما.. لا المسلمون ليسوا بهائم ولن يكونوا كذلك، وتجاوزوا مرحلة المطالب بالصراخ الى مرحلة الدفاع عن النفس، وها هم يهزمون اصحاب حاملات الطائرات في العراق، وبصدد هزيمتهم في افغانستان، ويجبرونهم على الانسحاب أذلاء.

* كاتب فلسطيني مقيم في لندن

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *