“بورجوازية” تلد الشتائم

يحصل أن ينسى المرء لبرهة أمراض النُخب السورية، لتعود وتظهر بشكل جليّ مع كل حدث وحادث جديد. فبعد مقتل الصحافية السورية يارا عباس، قرب مطار الضبعة في حمص، تكشفت مجدداً تلك الأمراض المتماهية مع التفكير الشعبي التلقائي، الذي لم يتم الاشتغال عليه، بسبب أمراض المثقفين ذاتها… وذلك بصرف النظر عن الموقف السياسي من يارا و”الإخبارية السورية” التي عملت فيها، وبغض النظر عن أدائها المهني الذي يجوز نقده في كل الأحوال. إلا أن النرجسية البورجوازية تبقى واحدة من أسباب الخلل هذا، وهي ما يجبرنا اليوم على تناول ما يفترض أنه بديهي مُتعامل بها في الغرب، ومنها نعود إلى النظرة التقييمية للمهنة. النظرة التي تربط بين قيمة المرء، ووظيفته، التي يعيش منها.

لئلا ندخل في سياقات فكرية معقدة ومتشابكة، لا يسمح بها ضيق المكان هنا، ينبغي الذهاب فوراً إلى الجدال العنيف، والتقريع اللغوي المُحبط، لصورة المرأة المنخرطة في العمل الإعلامي أو الثقافي أو السياسي، والتي يتم تعهيرها من قبل الخصوم.

مها حسن

مها حسن

لم يكتفِ الفكر الذكوري، سواء حمله رجال أو نساء متماهيات مع هذه الثقافة، بتعهير صورة المرأة الخارجة على قوانين الطاعة والاستسلام، بل هناك وجهة نظر متخلّفة، تظهر في أوساط المعارضة، وينبغي الوقوف عندها. فالثورة السورية حلم أخلاقي، جمالي، إنساني، يسعى إلى بناء دولة مدنية ديموقراطية متعددة، ولا تهدف إلى استيلاء فئة ما على الحكم، لقمع فئة أخرى. ثورة لإعادة إنتاج الوجه الواحد للحكم، الذي يستقطب طائفة أو مجموعة، وينبذ الأطراف الأخرى.

تكاد حادثة مقتل يارا عباس تكون هي المناسبة الواقعية للتعبير عن اللاشعور الجمعي، الذي تسمح صفحات “فايسبوك” و”تويتر” وغيرها بالتعبير غير المشروط عنه. وذلك إما بسبب التقنّع بأسماء مستعارة، أو لغياب الرقابة. فتنفلت ألفاظ بذئية وشتائم مرعبة، لا نكاد نسمعها في أي شجار مهما كان حجم عنفه، فتتكثف العبارات المهينة، ويكثر الصيادون في المياه العكرة.

صورة المرأة الناشطة، الإعلامية، الكاتبة، الفنانة، السياسية…الخ، راوحت طويلاً في خندق التعهير، وهذا ما عملت على إصلاحه ناشطات وناشطين، ومثقفات ومثقفون، عبر نقد الصورة المهينة أخلاقياً للمرأة المنخرطة في الفعل العام، إلا أنها تنحدر اليوم إلى خندق لا يقل احتقاراً للمرأة وللمجتمع معاً، عبر وصفها بـ”الشغّالة”. إذ أطلق البعض حملة على “فايسبوك”، مشتقة لغوياً من حملة “لاجئات لا سبايا” لتتحول إلى “شغّالات لا سبايا”. هكذا تم وصف يارا (ويمكن تعميم الوصف على أي امرأة معارضة لفكر الشاتم) بالشغاّلة!

تحت صورة تحمل الشعار أعلاه، يكتب أحد المعارضين المنحدرين طبقياً من عائلة بورجوازية: “في التعليقات على البوستات الثلاثة السابقة.. ممكن تلاقوا أول مجموعة شغّالات ولفّايات. كل واحدة مع صورتها، وبروفايلها، اللي بيحب يحجز، يكتب تحت اسم كل واحدة منهن: محجوزة”. ويكمل الرجل: “وفي سماسرة كمان للي بيحب يشوف أكتر من واحدة، بس شفتوا تعليق واحد عم يسب بيكون سمسار لأكتر من واحدة، كمان فيكم تحجزوا عن طريق نص العيلة تبعهم لو بتحبوا”.

و عن يارا بالذات يكتب: “طلعت يارا عباس اللي خسرناها، كانت تشطف وتجلي وتلمع كنادر منيح حسب علمي، مشان هيك تعتبر خسارة بين الشغّالات”. ويضيف: “يارا صالح اللي كانت ملقوطة بالتل لسه موجودة بحب طمنكم، اللي حابب يحجز شغالة تتقن الظهور التلفزيوني قدام الضيوف”.

هكذا تأتي التعليقات، لتمجّد العائلة “بيت فلان”، وكأنها ميزة تستحق رفع الرأس، فيقول أحدهم مثلاً لابن الذوات، الذي أطلق الحملة: “عالقليلة بيت (فلان) بيت عز ومعروف أصلهم من وين وشبعانين ببيت أهلهم، أما أنتو يا قرود، لسه القمل معبي روسكن ولهلق ماشبعتو سرقة.. لأنه أجدادكم لصوص وقطاعين طرق، يلعن أبو سليلتكم …”مع التحفظ على ذكر اسم العائلة، يبقى لازماً القول أنه من المعيب أخلاقيا وإنسانياً وفكرياً النظر إلى المهن، نظرة طبقية، ناهيك عن الشتائم التي يفترض بصاحبها أن يعرف أنها تحقّره قبل أن تحقّر الشخص المعني بها. يمكننا العودة مثلاً إلى كتاب حازم صاغية “أنا كوماري من سيريلانكا”، أو إلى الضجة الكبيرة التي أحدثتها قضية “إعتداء” دومينيك شتراوس كان، على خادمة في فندق، وزعزعت صورة الحزب الإشتراكي في فرنسا، وتسببت في فقدانه لوظيفته كرئيس لصندوق النقد الدولي.

كما أن نص جان جينيه “الخادمتان” سبق تحويله إلى المنصة العربية. ومن بين المشتغلين على هذا النص، المخرج العراقي جواد الأسدي، الذي عرض العمل في بيروت ودمشق، وأدت الشخصيتين، السيدتان كارول عبود وندى أبو فرحات.

بالعودة إلى سير الكثير من المثقفين والكتّاب والكاتبات في الغرب، وهذا موضوع طويل ويحتاج إلى بحث مركّز، نجد سيرة التشرد والخدمة في البيوت والنوم في الأزقة، وغيرها من تفاصيل، أحد المؤهلات العظيمة التي تصنع فناناً أو مثقفاً حقيقياً. كما يمكن العودة إلى جان جينيه، في كتاب سارتر عنه بعنوان “القديس جان جينيه، الممثل والشهيد” الصادر عن دار غاليمار – 1952.

* كاتبة و روائية سورية

مشاركة الخبر:

Facebook! Twitter! del.icio.us! Google! Techorati! Stumble!

أكتب تعليقك