علي.. الحرية.. والآخرون

التعبير بحرية، كالكتابة بحروف من جمر، يكاد يشبه المشي في حقل من الألغام، أو الخروج بصدر عارٍ وعيون معصوبة وسط تبادل عشوائي لإطلاق النار.. هو انتحار مع سبق الترصد والإصرار، أو حجز لتذكرة إلى الجحيم داخل زنزانة باردةالكتابة الصحفية بتجاوز الخطوط الحمراء والحواجز الشائكة، جرمٌ لا يغتفر في وطني، قد يغضون الطرف بعض الوقت، قد يوهمونك بالانفتاح، لكنهم لن يمرروا تغريدك خارج سرب المادحين وخروجك عن سياق النص المكتوب سلفا في ملهاة «الديمقراطية الوهمية». ينتظرون فقط هدوء العاصفة وتعثرك في المنعرج المظلم لتسديد الضربة.

التعبير بحرية، كالكتابة بحروف من جمر، يكاد يشبه المشي في حقل من الألغام، أو الخروج بصدر عارٍ وعيون معصوبة وسط تبادل عشوائي لإطلاق النار.. هو انتحار مع سبق الترصد والإصرار، أو حجز لتذكرة إلى الجحيم داخل زنزانة باردة.

فاطمة الإفريقي

فاطمة الإفريقي

علي أنوزلا كان ذلك الصحفي الانتحاري الذي يحيط روحه بحزام ناسف من متفجرات الصدق والوضوح والانحياز إلى الحقيقة. بين سطور كل مقال كان يكتب وصيته الأخيرة، يوصينا خيرا بالوطن ويذهب وحيدا للانفجار بحروفه الحارقة.. كان يحفر قبره بكلماته النابضة بالحياة، ويعد حقيبة السجن بإكسسوارات الحرية.

مقالاته تنتشر في العالم الافتراضي كالنار في الهشيم، يتبادلها قراؤه الكثيرون كبضاعة ممنوعة، مع كل مقال تخفق القلوب خوفا عليه، ويشكك اليائسون في بقائه حرا.. وكلما عاد سالما بمقال جديد، كان الوطن يكبر فينا، ونهنئ بعضنا على نعيم حرية الرأي والتعبير وعلى ربيعنا الاستثنائي

صباح الثلاثاء الماضي كان كئيبا بلون الخريف، استيقظنا من الحلمِ الحلوِ على الخبر المُر، خبر اعتقال علي أنوزلا بتهمة نشر شريط يتضمن دعوة صريحة وتحريضا مباشرا على ارتكاب أعمال إرهابية. تهمةٌ من العيار الثقيل هي الأصلح لإقبار صحفي من العيار الثقيل أيضا في الشجاعة والمصداقية، وهي الأقوى لإخراس صوته المزعج ولتدميره الرمزي ولنسف مساره المهني المتميز.

علي أنوزلا لم يكن فردا، كان نحن، كان مرآة غضبنا المكتوم في الحلق، كان شجاعتنا التي فقدناها في زحمة المصالح الصغيرة، كان ضميرنا الذي كنا نتمنى، كان صوتنا الذي أخرسته رعشة الخوف، كان كرامتنا المنهزمة فينا، كان بعضنا أو كلنا رغم اختلافنا معه، كان فردا بصيغة الجمع. لهذا تطلب اعتقاله فيلقا متدربا من عشرين شرطيا، وإعدادا نفسيا قبليا وبعديا، ساهمت فيه كتيبة محترفة من المحللين والصحفيين «المغرقين» بسيل من المقالات والبيانات الانتقامية، والبلاغات المحرضة التي تَذكّر أصحابُها فجأةً دروسَ أخلاقيات المهنة.

هل أخلاقيات المهنة هي الإشادة باعتقال صحفي والتحريض ضده؟ وأي معنى للأخلاقيات في بلد يريد من الصحفيين أن يتحولوا إلى شعراء في المديح؟ هل نشر خبر حقيقي عن تهديد إرهابي لتنظيم القاعدة للمغرب هو خرق للقانون والأخلاقيات؟ ما هو الخيط الفاصل بين واجب الإخبار بتجرد وموضوعية، وبين إكراه الولاء لسلطة التعتيم؟ هل نشر أخبار عن مجرمين أو إرهابيين يعني بالضرورة تعبيرا عن التعاطف أو انتماء إلى عصاباتهم؟ أين يتناقض السلوك المهني مع السلوك الأخلاقي حين يتعلق الأمر بتنوير الرأي العام بخطر يهدد استقرار البلاد؟ هل الصحفي رجل أمن عليه التكتم على المعلومة أم رجل إعلام ينشر الحقيقة؟ أسئلة جدلية تطرحها قضية أنوزلا ويواجهها الصحفيون كل يوم، وجدلٌ مفتوح كان وسيظل، ولن يُحسم داخل مخافر الأمن والسجون بل في قاعات التحرير وبالانتصار الطوعي لقيم الحرية.

قد تنتصر الحكمة ويخرج أنوزلا بريئا، وقد يقضي في السجن أياما عصيبة. كيفما كان الحكم، فلن يكون أقسى من الإعدام الرمزي رجما بحجارة زملائه في الصحافة.

* كاتبة و إعلامية مغربية

مشاركة الخبر:

Facebook! Twitter! del.icio.us! Google! Techorati! Stumble!

أكتب تعليقك