المغرب و فلسطين..ضحيتان للخرائط التلفزيونية المبتورة

كثيرون ربما لا يعلمون أن أغلب القنوات التلفزيونية العربية أو العالمية التي تظهر خريطة المغرب مبتورة من صحرائه في برامجها او نشرات أخبارها،لا تفعل ذلك عن قصد أو سوء نية،و أن بعضها لا يتنبه للأمر من أساسه.

مناسبة هذا القول هو الخطأ الذي وقعت فيه حتى القناة المغربية الأولى،حينما أظهرت في إحدى نشراتها الإخبارية خريطة المغرب مبتورة من أقاليمه الصحراوية و هي تبث تقريرا يتحدث عن ظاهرة الكسوف الطبيعية التي شهدتها العديد من مناطق العالم .

محمد واموسي

محمد واموسي

صحيح أن خطأ كهذا و على شاشة قناة تلفزيونية مغربية حكومية لا يغتفر،لكن بالنظر جيدا لما بث فإن الأمر يتعلق بصور فيديو و ليس “كرافيك”،و حين رأيت ذات الخريطة مع ذات الموضوع في تلفزيون دبي الذي أعمله معه اتصلت بزميلي الإعلامي المغربي عبد المنعم الشبري الذي تفضل مشكورا بالتحقق من الأمر،فتبين لنا معا أن الأمر يتعلق بصور إحدى وكالات الأنباء العالمية،و أن الخريطة في التقرير لا تعود لأي “كرافيك” بل قثط لجهاز كومبيوتر لمصلحة أرصاد جوية دولية تراقب الظاهرة الطبيعية في العديد من مناطق العالم.

و  رغم الغضب العارم الذي تسبب فيه هذا الخطأ لدى المغاربة و هم يشاهدون قناتهم الوطنية تعزل الصحراء عن الوطن الأم و تسميها “الصحراء الغربية”،إلا أنهم لاحظوا – و عبد ربه واحد منهم –  أن الخريطة المستخدمة من قبل القناة المغربية الأولى،هي ذات الخريطة شكلا و لونا التي سبق و أن شاهدوها في بعض القنوات العربية،أي أن الأمر فعلا يتعلق بصور فيديو لوكالة أنباء كبيرة تشترك فيها هذه القنوات.

العاملون في المجال التلفزيوني يدركون جيدا أن البرامج التلفزيونية تعتمد في بثها على مجموعة من البرامج المتخصصة،بعضها يقوم بعمل و تحريك الكتابة، و البعض الآخر يدخل الرسوم الثلاثية الابعاد على العمل، و هناك أيضا برامج المونتاج و برامج المؤثرات و الخدع البصرية..و هناك أيضا برامج لصناعة الخرائط تعتمد في قاعدتها على خرائط “سيت ماب” لأشهر محركات البحث كجوجل و ياهو و غيرهما.

شخصيا و من خلال عملي في بعض القنوات العربية و الدولية كان “هاجس” خريطة المغرب مجزأة يحضرني كثيرا في كل مرة أدخل فيها إلى القسم التقني لهذه القناة أو تلك،و أحيانا لا أتردد في التقرب من الزملاء التقنيين الذين يشرفون على كل ما له علاقة ب”الكرافيك” من خرائط و استبيانات و رسوم و أرقام ومعاملات في محاولة للبحث عن جواب لسؤال واحد هو : لماذا تظهر القنوات التلفزيونية خريطة المغرب مبتورة من صحرائه ؟

أول ما علمته من هؤلاء الزملاء هو أن الخرائط التي تبث في أي قناة تلفزيونية لا تصنع من قبل فريقها التقني،بل إن الأمر يتعلق ببرنامج “كرافيك” صانع للخرائط تشتريه كل قناة تحتاج لاستخدام خرائط في برامجها و تقاريرها و نشرات إخبارها من شركات مختصة،و هذه الشركات هي المسؤولة عن تصميم خرائط تفصل المغرب عن صحرائه.

و أتذكر مرة أنني طلبت من زميل فرنسي يشرف على “الكرافيك” خلال عملي في قناة “القارة” المتخصصة في الشأن الأفريقي و مقرها باريس، تعديل خريطة المغرب حتى لا تظهر مجزأة،و فعلا فعلنا ذلك سوية بعد أن شرحت له أن هذه المنطقة المبتور هي جزء لا يتجزأ من المغرب .

ما قمنا به هو أننا استعدنا الجزء المبتور  بعد تطهيره من كلمة “ويسترت صحارا” أي “الصحراء الغربية”و غطينا داك الخط الذي يفصل المغرب عن صحرائه حتى تظهر الخريطة المغربية كاملة على الشاشة،و كانت النتيجة أن القناة بأقسامها العربية و الفرنسية و الإنجليزية أصبحت تبث خريطة المغرب كاملة و غير مبتورة على شاشتها.

في تلفزيون دبي أيضا كانت خريطة المغرب تسللت مرة إلى الشاشة و هي مبتورة من صحرائه بسبب برنامج الخرائط اللعين،قبل أن يبادر الزملاء إلى تصحيح

هذا العيب الشاذ في برنامج الخرائط،خاصة و أن دولة الإمارات العربية المتحدة ملتزمة بدعم وحدة المغرب الترابية،تماما كما تدعم الرباط السيادة الإماراتية على جزرها الثلاث المحتلة من قبل إيران و هي: طنب الكبرى  و طنب الصغرى و أبو موسى.

حين عملت في قناة “يورونيوز” التابعة للاتحاد الأوروبي تحدث في الأمر مع رئيس قسم “الكرافيك” و هو فرنسي أيضا، و طلبت منه إصلاح هذا العيب في الخريطة المغربية،لكنه بدا متحفظا لسبب بسيط برره بكونه لا يريد مشاكل مع الإدارة،لكنني أبلغته أن مشاهدي “يورونيوز” باللغات العربية و الفرنسية و حتى الانجليزية في المغرب عددهم كبير،و قد تحرم القناة من متابعتهم في حال الاستمرار في بث خريطة بلدهم مجزأة،و أنه لا توجد دولة في العالم اليوم اسمها “الصحراء الغربية”،و بعد شد و جذب توصلنا إلى حل وسط هو حذف اسم “الصحراء الغربية” من الخريطة مع ترك داك الخط الصغير في الوسط الذي يشير إلى أن الأمر يتعلق بمنطقة نزاع في انتظار حل نهائي للقضية.

المغرب ليس وحده ضحية لحيف “برنامج صانع الخرائط” التلفزيونية،هناك أيضا دولة فلسطين التي لا يعترف بها هذا البرنامج أصلا،فنعمد في أحيان كثيرا إلى جمع شتاتها في خريطة واحدة،و هو ذات الفعل الذي يقوم به الزملاء في القنوات التلفزيونية العربية.

و حين يبسط الإهمال و اللامبالاة بجناحيه على بعض العاملين و حتى الصحافيين في المؤسسات الإعلامية،أو حين يجهلون واقع العالم و يفتقدون حس النباهة في التصدي إلى المشاكل و الأعطاب و العيوب و الأخطاء التقنية و حتى اللغوية هنا تحدث المشكلة،فتجد بعض القنوات العربية نفسها في حرج بعد إظهار خريطة المغرب دون صحرائه أو خريطة إسرائيل و قد ابتلعت نهائيا دولة فلسطين،بينما لا تبالي قنوات أخرى بالأمر من أساسه.

و يحدث أيضا أن تعمد دولة ما تكن الحقد الدفين للمغرب و قضيته الوطنية إلى التلذذ بالخريطة المجزأة،فتوحي إلى العاملين في قناتها بتعميق هذه الهوة عبر تغيير كلمة “الصحراء الغربية” بجملة أكثر حقارة و دناءة هي “الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية” و أنتم تعلمون جيدا من هي الدولة التي يشبه اسمها الكامل اسم هذه الجمهورية “الفونطوم” التي لا توجد إلا في مخيلتها.

باختصار على المغرب و المغاربة أن يتجندوا و يطلقوا حملة “تصحيح خريطة المغرب” في المنشأ،بمعنى أن المسألة لا تستدعي إرسال احتجاجات أو بيانات او تعبير عن غضب أو مهاجمة موقع هذه القناة أو تلك،بل علينا كمغاربة من كل الفئات أن نفتح قناة تواصل مع الشركات المصنعة لبرامج صانع الخرائط في هذا الموضوع..

علينا أن نكاتبهم و نهاتفهم و نتواصل معهم بكل الوسائل الممكنة،و نشرح لهم بأن هذا المقطع المبتور من المغرب هو جزء لا يتجزأ من وحدة وطننا التي تمتد من طنجة إلى الكويرة،و أنه و لا توجد في قائمة دول العالم و لا في لوائح الأمم المتحدة أي دولة تحمل اسم “الصحراء الغربية”..و به وجب الإعلام.

* صحافي و إعلامي مغربي مقيم في باريس

مشاركة الخبر:

Facebook! Twitter! del.icio.us! Google! Techorati! Stumble!

تعليق واحد

  1. نزهة:

    شكرا لك اخي الكريم و لريك الشجاع و افكارك السديدة.
    وفقك الله

    تاريخ نشر التعليق: 14/12/2013، على الساعة: 1:20

أكتب تعليقك