أهلا بكم في “ليبيا الجديدة”

اهلا بكم في “ليبيا الجديدة”: رئيس الوزراء يهرب بجلده.. ووزير الخارجية يطالب بعودة ملكية.. وبنغازي مهد الثورة تعلن العصيان المدني.. ودرنة امارة اسلامية مستقلة.. ورئيس البرلمان تطارده مزاعم الفضائح واتهامات الفساد.

ليبيا “القديمة” التي عاشت اكثر من اربعين عاما تحت حكم معمر القذافي كانت سيئة، ينخرها الفساد ويسودها القمع، خاصة في سنواتها الاخيرة، ولكن ليبيا “الجديدة” اكثر سوءا بكل المقاييس، فالامن شبه معدوم، والميليشيات المسلحة تسيطر على معظم مفاصلها، والفساد فيها تضاعفت معدلاته عدة مرات، والاهم من كل ذلك غياب كامل للدولة ومؤسساتها، وانتشار الفوضى، وتآكل الهوية الوطنية الجامعة لمصلحة القبلية والمناطقية السياسية والجغرافية.

عبد الباري عطوا

عبد الباري عطوا

لا احد يجرؤ على الحديث عن الحاضر في ليبيا، باستثناء القلة الجريئة، ناهيك عن المستقبل، ومن يكسر هذه القاعدة من الصحافيين او السياسيين الوطنين الشجعان فان رصاصة، او سيارة مفخخة، في انتظاره، فكم مرة اقتحم مسلحون استوديو البث في قناة تلفزيونية وفجروها، او خطفوا صاحبها، وكم من مرة جرى تفجير صحيفة بمن فيها.

ولعل ما حدث للسيد علي زيدان رئيس الوزراء الليبي السابق خير مثال على حالة الانهيار التي تعيشها البلاد، فبعد ان تعرض للخطف من غرفة نومه في فندق يقيم فيه وسط طرابلس واقتيد بملابس النوم الى مكان مجهول من قبل ميليشيا يمولها ويدفع مرتبات عناصرها رئيس البرلمان، ها هو يهرب بجلده الى المانيا التي يقال انه يحمل جنسيتها بعد سوء ادارته لفضيحة سفينة النفط الكورية التي جرى تحميلها بربع مليون برميل مسروق تحت سمع الامن والميليشيات، ولم تعدها الى الموانيء الليبية الا بعد اعتراضها في عرض البحر من سفن الاسطول الامريكي، ثم بعد ذلك يأتي من يتحدث عن السيادة والاستقلال.

لا احد يعرف اين يسير هذا البلد الذي “حررته” قوات حزب “الناتو” ومعها طائرات وقوات من دول عربية “ديمقراطية” وبموافقة جامعة الدول العربية ومصادقة امينها العام في حينها السيد عمرو موسى رئيس لجنة الخمسن التي صاغت الدستور المصري، هل هو يسير نحو الفيدرالية ام الكونفدرالية ام التقسيم، ام الفوضى الدائمة او المؤقتة؟

وكيف سيكون فيه نظام الحكم المستقبلي في ليبيا الجديدة هل هو “ملكي سنوسي” مثلما اقترح السيد محمد عبد العزيز وزير الخارجية، ام برلماني دستوري، ام ديكتاتوري عسكري؟ لا احد يملك الاجابة، فاللجنة التي يجب ان تصيغ الدستور الجديد (لجنة 17 فبراير) لم تف بمهمتها، ومن غير المتوقع ان تفعل قبل ستة اشهر في اكثر التوقعات تفاؤلا، هذا اذا لم تتعرض للحل؟، واعضاءها  للاغتيال فكل شيء جائز.

مدينة بنغازي عاصمة الشرق الليبي ومهد الثورة تشهد حاليا عصيانا مدنيا دعا اليه الليبراليون حسب بعض التقديرات، اما مدينة درنة عروس الجبل الاخضر التي كانت من اكثر مدن ليبيا ليبرالية وانفتاحا فقد تحولت الى امارة اسلامية تطبق الشريعة الاسلامية، ويحكمها مجلس شورى اسلامي، واذا اتجهنا غربا فان مدينة تاورغاد ما زالت خالية من سكانها الممنوع عليهم العودة لان بشرتهم افريقية سوداء ويواجهون تهما بدعم النظام السابق، وانباء القتل والتفجير باتت من العناويين اليومية في مدينتي سرت وبن الوليد بينما ما زالت مدينة سبها خارج رادار الدولة ولا احد يعرف ما يجري فيها، اما عن سجون الميليشيات وما يجري فيها من تعذيب وانتهاكات للكرامة والشرف فحدث ولا حرج.

العمال الاجانب والمصريون منهم على وجه الخصوص باتوا هدفا لاعمال القتل مسلمين كانوا ام اقباط، والمطارات يمكن ان تغلق او تفتح حسب مزاج احد قادة الميليشيات، فاذا كان مزاجه سيئا، وغاضبا من الحكومة، لعدم تلبية طلباته في زيادة “جعالته المالية” الشهرية، فانه لن يتردد عن ارسال اسطوله من سيارات “التويوتا” التي تعلوها المدافع الثقيلة لاحتلال المطار، ومنع اقلاع او هبوط الطائرات وترويع المسافرين والقادمين.

نحن هنا لا نتحدث عن افغانستان في ذروة حربها الاهلية، ولا عن الصومال بعد انهيار الحكم المركزي فيها، ولا عن لبنان عندما تحول الى دولة فاشلة لاكثر من 15 عاما من الحرب الضروس، وانما نتحدث عن ليبيا التي قال لنا نيكولاي ساركوزي رئيس فرنسا السابق وحليفه ديفيد كاميرون (بريطانيا)، ومن خلفهما قنوات “الربيع العربي” الفضائية وخبراؤها ومحللوها، انها ستتحول الى جنة الله على الارض، وستصبح نموذجا في الديمقراطية والحريات واحترام حقوق الانسان والشفافية، والعدالة الاجتماعية، وباقي المنظمة التي انتم تعرفونها وتحفظونها عن ظهر قلب.

لا احدا من الذين صفقوا لطائرات “الناتو” الحربية وهي تقصف المدن الليبية يريد ان يعترف بهذا الوضع الليبي السيئ، ويقر بالكارثة التي حلت بالبلاد وشعبها، ومزقت وحدتها الديمقراطية والجغرافية.

الشعب الليبي الطيب، المضياف، المتواضع في طموحاته المعيشية كان ضحية حملات تضليل ممنهجة شاركت فيها جهات عربية واجنبية لتحويل بلاده الى نموذج للفوضى الدموية، ومرتعا للفساد باشكاله كافة.

سيلفيو برلسكوني رئيس وزراء ايطاليا الاسبق رجل فاسد على المستويات الاخلاقية كافة، ولكن ما قاله في “صحوة ضمير” نادرة عن “فبركة” الثورة الليبية من قبل شريكه في حلف “الناتو” ساركوزي موثق في ارشيف وكالة الانباء الايطالية “اينا”، فطائرات “الناتو” التي كانت تقصف ليبيا كانت تنطلق من قواعد عسكرية في بلاده، وهو بالتالي مطلع على كل المعلومات.

ثورة الشعب الليبي من اجل التغيير الديمقراطي ثورة مشروعة، ولكن من خطفها، وحولها عن مسارها، لاطماع اقتصادية او نفطية، او لاسباب ثأرية شخصية محضة، هو وكل الذين تواطأوا معه ونفذوا مخططاته يستحقون المحاسبة.

الشعب الليبي الذي كانت تدخل ميزانية دولته اكثر من ستين مليار دولار من العوائد النفطية سنويا، ويملك حوالي 200 مليار دولار كعوائد خارجية، بات يقف على حافة الافلاس والجوع، لان آباره النفطية خاضعة لاحتلال الميليشيات، ويباع بعض انتاجها المسروق في عرض البحر، ورئيس وزرائه يهرب للنجاة بجلده واتهامات الفساد تلاحقه، ورئيس برلمانه يصارع لتبرئة ذمته مما لحق به من مزاعم اتهامات اخلاقية، ويواجه مظاهرات صاخبة تطالب بمحاكمته.

نسأل عن اؤلئك الذين كانوا يلبسون السترات الواقية من الرصاص، والخوذات العسكرية، ويحملون على صدورهم وظهورهم كلمة صحافة باللغة الانكليزية، عربا كانوا ام اجانب، نسأل اين هم الآن ولماذا لا نسمع صوتهم ونشاهد تقاريرهم؟ عن حقيقة ما يجري في ليبيا الجديدة، قطعا لن يأتينا الجواب !

* كاتب و صحافي فلسطيني مقيم في لندن

مشاركة الخبر:

Facebook! Twitter! del.icio.us! Google! Techorati! Stumble!

تعليقان 2

  1. عمر المنتصر أحمد:

    صاحب التعليق المدعو محمود العجيلي أفضل مثال عن المهرطقين المصفقين لخراب ليبيا بداعي أن القذافي كان يخربها. أمثال هؤلاء هم من ستلعنهم الأجيال القادمة في ليبيا على دمار بلدهم و تحويلها من منارة إلى زريبة. فالتاريخ يسجل و العار لن يمحى. كيف يجرؤ بالقول أن ليبيا أفضل مما كانت عليه. كيف و قد أزكمت أخبار فضائحها أنوف العالم بأسره و ليس شعبها؟ هل هي أحسن عندما يتم كل يوم القتل و التفجير؟ هل هي أحسن عندما يتم سرقة المليارات من قوت الشعب؟ كانوا يعيبون على القذافي أنه لم يصرف جيداً على التنمية… على الأقل لم يسرق المليارات و سرقتموها أنتم.
    كل من يكذب و يناطح و يقول ليبيا أحسن فاعلم تماماً أنه كان لا يسوى بصلة فوجد نفسه فجأة يسرق بالملايين أو بالألاف و أو استفاد بأي طريقة شخصية على حساب تدمير البلاد.
    قبح الله كل من شارك في إيصال ليبيا لهذا الحل.
    و الشكر لكاتب المقال.

    تاريخ نشر التعليق: 10/07/2014، على الساعة: 11:49
  2. محمود العجيلي:

    شكرا لك فنحن واعون تماما لما قمنا به وبقناعة تامة ولسنا محتاجون لمن كانوا يلعقون احذية القذافي ويقتاتون من بقايا فضلاته ان يسدوا الينا نصائحهم او يتكلمون في الشأن الليبي فهم اخر من يقوم بذلك .
    ولتعلم ايها البوق المتطفل ان ماقام به سيدك القذافي ونحن اعلم به في العقود الاربعة الماضية من تدمير للهوية الليبية وللبنية التحتية وللقوة البشرية وللاموال الليبية والسحق لكرامة المواطن الليبي
    افضع بكثير مما يجرى هذه الايام ونحن المعنيون بذلك وعندن مثل يقول ( الحمل على البعير والقراد
    يئن) .
    فالتحول من لادولة الى دولة بكل المقاييس العالمية ليس سهلا وليس سحرا وخاصة في بلد الكل صغارا وكبارا يحملون السلاح واقله مسدسا حتى النساء . فكيف يستطيع هذا البلد الوصول الى شط الامان دون المرور بما يحدث الان فمثل هذا يعتبر امرا طبيعيا جدا ولابد ان يأتي يوما ونجد ليبيا ان شاء الله دولة ذات سيادة مهابة الجانب بكل مؤسساتها الدستورية يعشقها الجميع ويتمنى زيارتها او الاقامة فيها كل انسان . حفظ الله بلادنا من كل سؤ ومن كيد الحاقدين والطامعين والحاسدين

    تاريخ نشر التعليق: 09/06/2014، على الساعة: 8:46

أكتب تعليقك