ألميرا..السيارة الأولى

ألميرا..السيارة الأولى

- ‎فيرأي في حدث
297
0

بقلم : عبد المنعم الشبري *

“كبرت. عملت لبضع سنين، واشتريت سيارة. قرار شرائها لوحده يستحق تدوينة مستقلة. كانت سيارة يابانية مستعملة عنابية اللون. كنت أخفرها إلى صديقي الـ “تشاپيستا” في طنجة أكثر مما أغسلها! رخصة سياقتي كانت جديدة وخدوش سيارتي متجددة.. وكنت لا أحب سياقتها بتلك العيوب. حقي!”.

من تدوينة “للمرة الأولى.. والأخيرة” بتاريخ 28 اكتوبر 2016.

**** ألميرا.. السيارة الأولى (التدوينة المستقلة) ****

أتيت إلى هذه الدنيا ولم يكن في بيتنا سيارة، لكن كان هناك بيت يقينا الحر والبرد ويقينا طلعة جابي الإيجار أول كل شهر لدى الباب. وفي ذلك الوقت من أواخر سبعينيات القرن الراحل، لم يكن شراء سيارة بأعز ما يُطلب لاسيما بالنسبة لمن يستطيع بناء بيت؛ ووالدي – رحمة الله عليه – آثر السقف على المركب. وحسنا فعل.

إلى حدود المرحلة الدراسية الثانوية لا أذكر أنني ذهبت إلى المدرسة راكبا سوى مرة واحدة.. وكانت في أيام امتحانات الباكالوريا. مدرستي الابتدائية “فاطمة الفهرية” كانت تقع على بعد أقلَّ من نصف كيلومتر، ومدرستي الإعدادية “المقاطعة” يكفي ربع ساعة للوصول إليها، وكذلك الشأن بالنسبة لثانوية “ابن بطوطة”.

الكل كان يحج راجلا إلى المدرسة، ما عدا بعض التلاميذ من سكان ضواحي مدينة القنيطرة البعيدة وأحوازها. كان المشاة الصغار أكثر ما يُشاهَدون مسرعين إلى مدارسهم في ربع الساعة الأخير قبل الجرس. يحثون الخطى جماعات وأشتاتا متحَدين قر الصباح بدفء الحركة.

الحافلة الحضرية كنا نستقلها لزيارة الأقارب القاطنين في الأحياء البعيدة، أو لبلوغ محطتَي القطار ومحطة الحافلات العابرة، وأحيانا للذهاب عند حلاق العائلة. ليس من قلة الحلاقين في حينا كنا نتردد على “حلاق الأصدقاء”، ولكنه ارتياح الوالد ووفاؤه لصديق قديم وغيرِ ثرثار.. وهذا استثناء في عالم الحلاقين.

قبل سن الرشد “القانوني”، وعلى أيامنا كان إحدى وعشرين سنة قبل أن ينخفض إلى ثمان عشرة، كان بعض الأصدقاء يتسلون بقيادة سياراتِ آبائهم، خلسة بعد تجميع كلفة البنزين الباهظة، أو بترخيص من “المالك” ضمن نطاق جغرافي ضيق، واستثناءً قد يُسمح لهم بأن “يطلقوا أيديهم” خارجَ أوقات الذروة أو خلال أسفار عطلة الصيف. أما في المرحلة الجامعية، فقد أصبح لدي زملاء برخصة سياقة.. وسيارات.

و هكذا جنبتني وسائل النقل العام – على عِلاَّتها – التفكير في موضوع امتلاك سيارة، وأقصته من قائمة أولوياتي. حتى بعد الزواج، كان من السهل علينا نحن الاثنين التنقل بالمتاح من المحرِّكات العامة. لكن دوامَ الحال من المحال.. كما نقول.

***

“لا عودة للقنيطرة إلا بسيارة من حر مالي، أقودها حيث شئت ومتى شئت”.

عهدٌ أسررته في نفسي وأنا قافل إلى طنجة بعد إطلالة ربيعية قصيرة على مسقط الرأس. لم أطل التفكير في تبعات الأمر. القرار واضح وغير قابل للاستئناف. لكن مالذي ولَّد لديَّ كل هذا القدر من الغضب تجاه القنيطرة ؟

قبل قرار العودة المشروطة بساعات، بَلَغَ والدي نبأ ُ وفاة ابن عمه القاطن في الجناح الغربي للمدينة (ومدينتنا ذات جناحين مثل البجعة التي ترمز إليها). عصراً توجهنا في رحلتين منفصلتين لسيارة الأجرة الصغيرة إلى بيت الراحل لتقديم واجب العزاء. في عاداتنا، المُعزون القادمون من بعيد يبيتون، ولكي يجدوا متسعا لمبيتهم، فقد كان لزاما علينا، نحن القريبين، أن نروح إلى بيوتنا. خرجنا من بيت العزاء بعد منتصف الليل، وكنا خمسة على الأقل. ولا توجد سيارة أجرة صغيرة تَسَعُ خمسة أشخاص. وحتى إن وجدت فإن القانون لا يسمح لها بنقل أكثر من ثلاث أنفس، ولو كان الثالث رضيعا!

طال انتظارنا لسيارة أجرة أولى تنهي معاناة ثلاثة منا على الأقل.. رغم أن سائقِي سيارة الأجرة الصغيرة في مغربنا يفضلون تأجير الرحلة لثلاثة ركاب مستقلين عن بعضهم لرفع العائد.. بالمخالفة للقانون. وقبل أن يجف صبرنا، لاحت لنا سيارة أجرة كبيرة صفراء فاقع لونها من النوع الرابط بين المدن. قال المنطق إنها لن تتوقف، لكن الواقع خالفه الرأي، وتوقفت. تفاوضنا مع السائق على ثمن الرحلة بما أن سيارته من دون عداد، وهذا هو حال كل سيارات الأجرة الكبيرة في المملكة: محطة معلومة وخط ثابت وأجرة تقريبية. انتبه السائق لقلة العرض وكثرة الطلب على خدماته في تلك الساعة المتأخرة من الليل فبالغ في تصوير حجم المخاطرة التي سيقبل عليها بنقل ركاب خارج خط سيره، وبنى على الشيء مقتضاه المالي، فقبلنا مرغمين إذ لم يكن أمامنا حل آخر.

اتخذنا أماكننا واتخذ “التاكسي” الأصفر سبيله على الإسفلت يطويه طيا باتجاه مركز المدينة. لم يقبل السائق إكمال الرحلة إلى بيتنا في الجناح الشرقي للمدينة، ومرة جديدة كنا مرغمين على القبول ورفعنا شعار أبي عمار “خذ، وطالِب!”.

على بعد أمتار من ميدان “المگانة” (الساعة التي كانت تميز مركز المدينة أيام الأبيض والأسود)، انحرف بنا السائق فجأة يسارا نحو شارع فرعي، ثم ركن سيارته بموازاة الرصيف بسرعة يحسد عليها وأطفأ الأنوار والمحرك. لو كنا في مكان مجهول لأوجست خيفة، وارتكنت للصمت، حتى أدرس الموقف، لكنني اعترضت، مستعينا بالله، ومستقويا بمعرفة المكان وعزوة الأهل، رافضا منه ذلك التصرف “المافيوزي”، فرد علي بعينين غير مستقرتين، و”مول الفز، كايقفز”: “واش ما شُـفتيهُمش؟”. ولأنني لم أرَهم، فقد تكفل “المسكين” بشرح الأمر زاعما أنه رأى دورية شرطة! لعله كان يمثل، ولعله كان صادقا.. لكن الأرجح أنه كان قد خطط للمشهد الأخير ليقنعنا بجدية حديثه الأول عن المخاطرة.

ترجلنا من سيارة The transporter عائدين إلى شارع محمد الخامس حيث تكثر سيارات الأجرة الصغيرة المسرعة أو المتوقفة بانتظار رواد المقاهي ذات الزجاج المظلل الكرماء! وعدنا كما غدونا برحلتين منفصلتين.

***
بعد أن عدت إلى طنجة، جمعت أوراق ملف رخصة السياقة وانخرطت في دروسها النظرية من دون تأخير. كنا أول فوج يُمتحن “بالكمبيوتر” وكان مدربي شابا طنجاويا مجتهدا وصبورا. كنت أتولى القيادة بحضوره مع انتصاف شهر التدريب، تارة في ساحة مسجد السوريين وأخرى بالقرب من قصر مرشان وملعبه، وثالثة في ما بينهما من طرق صاعدة ونازلة.

برخصة في اليد، وثمن سيارة (مستعملة) في اليد الأخرى، طرت، برا، من طنجة إلى الدار البيضاء لشراء سيارتي الأولى، لكن من دون التوقف بمدينة القنيطرة؛ فعودتي إليها كانت مشروطة، وقد أعانني الله على أن أتحرر من الشرط بتنفيذه.. وهكذا دخلت “الألميرا” إلى بيتنا، واستحقت، عن جدارة، لقب “السيارة الأولى”.

*إعلامي و صحافي مغربي مقيم في دبي

صفحة الكاتب الشخصية على موقع فيسبوك

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *