عندما اختزل الجزائريون شرفهم في «جلدة منفوخة»

عندما اختزل الجزائريون شرفهم في «جلدة منفوخة»

- ‎فيرأي في حدث
1637
1

بقلم : توفيق رباحي *

عندما كان العالم منقمسا بين مذهول من خطاب التنصيب الذي ألقاه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ومنتشٍ به، كانت الجزائر، مجتمعا ونُخبًا، غارقة في نقاش كبير حول إخفاق الفريق الوطني في مباراة أمام منتخب تونس بنهائيات كأس أمم أفريقيا في اليوم السابق.

أحكم، بدءا وبلا تردد، بأنه كان نقاشا عقيما مفتعلا وفي غير محله، وإشارة عميقة على حالة التيه التي أصابت البلاد.

الجزائر، البلد المخدّر منذ عقدين، النائم في شقائه نوما عميقا، يستيقظ ويستجيب للألم فقط في مباريات الكرة. ويتذكر شرف الوطن والانتماء والسمعة والكبرياء ـ وغير هذا من الشعارات الطنانة ـ عندما يفوز المنتخب الوطني لكرة القدم في مباراة، أو ينهزم.

قبل سنوات كان للجزائر إعلام يستثمر في الانتصارات و»يحلب» منها، بتشجيع من القابضين على الحكم، إلى آخر نَفَس لأنها ـ الانتصارات الكروية ـ من وسائل التخدير الساحرة.

اليوم، بفضل تكاثر الصحف والقنوات التلفزيونية، أصبح للجزائر وسائل إعلام تستثمر في الهزيمة مثل استثمارها في الفوز،تجعل منها «نكسة وإهانة لعَلَم والبلاد وشرف الوطن»، مثلما تجعل من الانتصار في مباراة حقيرة فتحا قوميا يفوق المشي على سطح القمر. هم يفعلون هذا منطلقين من إيمان مسبق بأن المجتمع يتفاعل مع الهزيمة قدر تفاعله مع الانتصار، ولكن في اتجاه آخر.

يجب أن نقرّ للإعلام الجزائري هذا التفوق في الاستثمار في الهزيمة، وقدرته على إيقاف الزمن عند الخسارة مثلما يفعل مع الانتصار وأكثر.

لا أعرف فريق كرة تعيس حظ مثل الفريق الإنكليزي. في كل مناسبة تُعقد عليه الآمال ويراهن عليه الشعب ووسائل الإعلام، ثم ينتكس بسهولة مثيرة للفضول. لكن الإنكليز، الذين يحق لهم أن يحلموا وينتظروا من فريقهم المعجزات، لا يستثمرون في الهزيمة. هؤلاء قوم تربَّوا على النظر إلى الأمام حتى في أكثر الانتكاسات ألما: يحزن الناس ويبكون بالدموع، تقوم الصحافة بدورها المطلوب في تشريح ما حدث، ثم تمضي الحياة إلى الأمام لأن لا شيء يجب أن يوقفها.

هناك شعوب، الإنكليز منها، تعترف بالنصر فقط ولا تتوقف إلا عنده. تتذكر هزائمها، لكنها لا تجعل منها عائقا امام السير الطبيعي للحياة. أحد اسباب هذا المزاج الإيجابي أن هذه الشعوب لديها أدوات التعويض عن الانتكاسة، عاطفيا وماديا واجتماعيا وجنسيا وترفيهيا. ولديها مَواطن نجاح تُنسيها الهزيمة الكروية، اقتصاديا وعلميا ورفاها وتنميةً بكل مسمياتها.

الجزائريون عكس هذا تماما. لأنهم بلا انتصارات وبلا مَواطن تعويض وبلا أمل، يفعلون المستحيل لاستثمار الهزائم و»العك» فيها أكثر من استثمارهم في النصر.

المسؤولية الأولى تقع على السلطات ووسائل الإعلام، لأنهم يدركون أن إخفاق الفريق القومي في نهائيات كأس العالم أو أفريقيا يعني انتظار الدورة المقبلة من المنافسة ذاتها لكي يتجدد الطموح والطمع. وفي انتظار الانتكاسة الأخرى، هناك سنوات من الفراغ القاتل والملل غير الآمن، من مخاطره أنه قد يقود إلى انفجار يخشاه الحكام ووسائل الإعلام التي تشعر بأن من مهامها الاستعداد لمواجهة الحرائق المحتملة.

لم أتابع مباراة الخميس (ولا غيرها قبلاً أو بعداً). ولم تؤلمني هزيمة الجزائر يومذاك مثلما لم يكن سيسعدني الفوز فيها لو حدث، لكن وصلتني أصداء كثيرة عن آراء في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي أجمع أصحابها على أن الجزائر لا تمتلك فريقا وطنيا قادراً على المنافسة الدولية!

مجتمع يتألم بشدة لأنه «بلا فريق وطني قادر على المنافسة الدولية»، وهو بلا أبسط ضروريات الحياة، يتنفس العنف في كافة اشكاله،بلا مستشفيات تليق بالإنسان،مدنه بلا مراحيض،أطفاله بلا مدارس لائقة (اكتظاظ هائل، لا تدفئة في الشتاء ولا تكييف في الحر، ناهيك عن التعليم المتردي)،شوارعه بلا أمان، لا الطفل آمن فيها على براءته، ولا الفتاة على عرضها، ولا الشيخ على شيخوخته،شبابه بلا طموح إلا طموح الهجرة شمالا،أغلب مسؤوليه السياسيين بلا شرف،رجاله ونساؤه بلا حق في عطلة سنوية جديرة بهذا الإسم،طبيعته (التي كانت ذات يوم ساحرة) منتهَكة بالإسمنت المسلح ولصوص العقار المتكاثرين كالفطر.

أبَعدَ كل هذا يأتي من يبكي على عدم وجود فريق «قادر على المنافسة الدولية؟».

أختلف مع القائل أن «من حق هذا الشعب أن يفرح» إذا كان المقصود بالفرحة تلك السكرة المرتبطة بمباراة في أدغال أفريقيا. «هذا الشعب» سيفرح أكثر وفرحته تتجذر وتدوم عندما يجد لأولاده مدارس محترمة ومنظومة تعليمية فاعلة ومتنورة. سيفرح حقا عندما يأمن على أطفاله خارج أسوار المدرسة والبيت.

وعندما يطمئن ألاّ حقيراً سيسمح لنفسه بلمس مؤخرة أخته أو ابنته في الشارع ويخاطبها بالزانية. وعندما تجد زوجته مستشفى تلد فيه بكرامة وأمان.. وعندما وعندما…

بقية الفرح كذب في تدليس.

*كاتب صحافي جزائري مقيم في لندن

‎تعليق واحد

  1. لكن لم نجعل ترمب اولى اهتمامنا…. لا تختلف عنهم كثيرا يا كاتب

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *