الأوهام..تلك الآلة الجهنمية !

الأوهام..تلك الآلة الجهنمية !

- ‎فيرأي في حدث
514
0

بقلم : عائشة سلمان

بعد أن تركت تلك الشابة الممتلئة بالحياة والنشاط كل ما كان يربطها بالماضي، بيتها، وعملها الذي لطالما تفانت لأجله، الحي الذي تربت فيه، أصدقاء طفولتها، وكل شيء يذكّرها بما كان، وجدت نفسها تنتقل من وظيفة إلى أخرى من دون أي شعور بالأسى أو النفور أو الندم.

عائشة سالم
عائشة سلمان

كانت تجد نفسها تنتقل ببساطة بين نقاط الحياة دون أن تلتفت إلى الخلف أو تشعر بأية مخاوف من أي نوع، فبعد أن قبضت على زوجها يخونها في بيتها ذلك النهار، وبعد أن بكت وابتلعت غصتها القاتلة، مضت بعيداً، واختفت عن الجميع، وزادت على ذلك بأن صمتت إزاء الشائعات التي كانت تصلها من زملاء العمل، وحين تعافت من الصدمة بدت لها الشائعات مجرد شائعات وسخيفة أيضاً!

لاحقاً أسرّت لأحد أصدقائها بأن انضباطها في العمل لم يكن دليلاً على حبها للعمل، ولكن على خوفها ربما! شرحت له أنها كانت تحرص على أن لا تتغيب عن العمل وتفعل كل ما في وسعها لتصل قبل الوقت المحدد أياً كانت الظروف لأنها كانت تخشى أن يحدث شيء ما إذا لم تفعل ذلك.

وفي الحقيقة فقد كان ذلك السلوك هو ما يجعلها قوية ومتماسكة وما يشعرها بالأهمية، بعد الحادثة التي تعرضت لها أيقنت أنها كانت واهمة تماماً، كمعظمنا حين نعتقد أن هذا الشخص هو ما يجعلنا سعداء وهذا العمل هو ما يجعلنا متماسكين ثم نكتشف حجم الوهم فنضحك على ما كنا نتوهمه !

فيما بعد بدأت تتعرف على ما يجعلها قوية فعلاً، بدأت تفهم السر الحقيقي في معادلة السعادة والتماسك النفسي، فكلنا لديه اهتمامات وأمور وهوايات وملكات يبرع فيها، لكنه حين يحبها عليه أن يفعل ذلك لأجل نفسه؛ لأنها تمنحه البهجة، ولأنها تشبعه وترضى ميولاً وتوجهات لديه، وربما تجمعه بأصدقاء آخرين يقضي بصحبتهم وقتاً عميقاً وغنياً بالفائدة، تكون تلك الهوايات والاهتمامات أمراً مشتركاً فيما بينهم بعيداً عن تصنيف الآخرين لها بأنها تافهة أو سخيفة أو..

يحتاج الإنسان إلى أن يعرف على وجه الدقة تلك الأمور التي تجعله متماسكاً في مواجهة الظروف القاسية التي يقع فيها، إلا أن المعرفة وحدها لا تكفي إذا لم يكن بمقدورنا أن نتخطى نظرية رأي الآخرين، فالآخرون يتحولون إلى جحيم أحياناً، كما قال (سارتر)، أما كلامهم فآلة جهنمية قاسية جداً وبلا قلب، نحتاج إلى أن ننتبه لأنفسنا أكثر مما نركز على اشتراطات الآلة، الناس سيتكلمون عنك في كل الأحوال سواءً أحسنت أم أسأت..

«ريح بالك» إذن !

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *