دَعْها تقف عندك

دَعْها تقف عندك

- ‎فيرأي في حدث
518
0

بقلم : أمل الحارثي *

منذ أن حلّت ثورة الاتّصال الاجتماعيّ، بدأت تصلنا رسائل تحمل طابعًا دينيًّا واجتماعيًّا وأحيانًا تربويًّا، موسومة بجملةِ “انشُرْها ولك الأجر”. جملةٌ تكفي أنْ يقرنها صاحب الرسالة برسالته، حتّى يضمن لها انتشارًا واسعًا بغضّ النظر عن قيمة محتواها. ولمَّا كنّا شعوبًا في أغلبنا لا نقرأ، وإنْ قرأنا لا نتعمّق، فإنّنا نادرًا ما ننتبه لرسائل خفيّة بين السطور، لها معانٍ أبعد ما تكون عن التثقيف.

أمل الحارثي
أمل الحارثي

كثير من هذه الرسائل كان لها دور كبير في انتشار الكراهية والشحن الطائفيّ في السنوات القليلة الماضية، وبعضها ساهم في تجهيل الناس بشكل أو بآخر، كالرسائل التي تحضّك على إعادة قراءة آيات مُعيّنة لعددٍ معيّن، وتُرغِّبك في الفرَج إنْ فعلت، وأحيانًا تتوعّد بالسوء إن لم تفعل، في تسخيف وتسطيح لمعنى التديّن الصحيح، وتحويل العلاقة بالخالق جلّ وعلا إلى علاقة تعداد، تُستخدم فيها أحيانًا عدّادات صُنعت في الصين خصوصًا، تلبيةً لاحتياج مَن يرى في العدد والتكرار تقرّبًا إلى الله تعالى، بدلًا من العمل وإعمار الأرض وإشغال النفس بالتفكُّر في الخالق والخلق، وما يجلبه هذا التأمُّل من أفكار وإبداعات.

“انشُرْها ولك الأجر” جملة ساهمت بشكل كبير في حالة التبعيّة العمياء للمجتمعات العربيّة، ولعبت بمشاعر الناس، فسيطرت على العقل الجمعيّ وأدارَتْه بلا وعي منه. ولو فكَّرَ الفرد قليلًا لعرفَ أنّ باعث الرسالة لا يملك الأجر في يده، ليُوزّعه على مَن يشاء، ويَحرِم من يشاء.

لقد نجح المتطرفون في استمالة عدد كبير من الناس عن طريق العزف على وتر العاطفة، وأدرك هؤلاء مبكرًا أنهم لكي يتمكنوا من تسويق أي بضاعة مهما كانت رديئة، فعليهم تغليفها بغلاف ديني، بل ونجحوا سنواتٍ طويلة في السيطرة على عقول الكثير من الناس حتى المتعلمين منهم.

لقد حدثتني صديقتي المسيحية مرة بألَمِها، عندما قرأتْ رسالة مُرسلة على “جروب” صديقات لها، تحتوي على تحريض صريح على دينها دون أي مراعاة من مُرسلتها لمشاعر صديقتها التي شاركتها في أفراحها وأحزانها، وللسنوات الطويلة من “العيش والملح”. في البداية كانت تتألم بصمت ولا تبدي أي تعليق، إلا أنها بعد فترة صارحت صديقتها التي أعربت لها عن أسفها، بأنها تنشر هذه الرسائل دون وعي منها لوجود جملة “انشرها ولك الأجر” في نهايتها.

رسائل أخرى من نوع كارثيّ، وأقول كارثيّ؛ لأنّها تمسُّ موضوعًا حسّاسًا جدًّا، ألا وهو التربية وأُسُسها وأخلاقيّاتها، فترى فيها ما يتعارض تعارضًا صريحًا معَ أُسس التربية الصحيحة، ويخلق شخصيّات مهزوزةً تخاف من التفكّر والأسئلة. ولو أنّك توجّهت بهذه الرسالة إلى طبيب نفسيّ، لضرب على رأسه فَزِعًا من مُحتواها. رسالة يكفيك أنْ تُغلّفها بطابع دينيّ حتّى تنتشر بمحتواها المُدمّر؛ لتؤثّر سلبًا في توجيه الأبناء نحو الإبداع والابتكار.

صاحبة الرسالة قد تكون أُمًّا تعتقد أنّ تربيتها هي الفضلى، وترغب في نشر طريقتها باعتبارها نموذجيّة. قد لا تكون قارئة ولا مضطلعة، ولا حاجتها إلى القراءة والاضطلاع، وهي التي يكفيها جملة “انشرْها ولك الأجر” لتحظى بالانتشار، ولكنها تعتقد أنّها أتت بما لم يأْتِ به العلماء؛ فتشعر بالعظمة وتستمرّ في نشر أفكارها، والله وحده يعلم حالة أبنائها الذين تُمارِس عليهم هذه الأفكار.

علينا أنْ نعترف بأنّ خلط الحابل بالنابل لم يُدِرَّ لنا سوى الجهل. هناك علوم قائمة بحدّ ذاتها، منها علم النفس وعلم الاجتماع وعلم التربية. هذه العلوم بدأت معَ بداية الحضارات، وتطوّرت بالأبحاث والدراسة والتجارب. الدول التي تُطبّق نتائج هذه العلوم هي التي وصلت اليوم إلى قمّة الازدهار والتفوّق، والدول التي اعتمدت على رسائل الـ “واتس أب” المرسلة مِن غير المُختصّين تقبع أسفل هرم الحضارة.

تفكَّرْ يا رعاكَ الله قبل أنْ تنشر رسالةً وصلتْكَ؛ فربّما قرّرْتَ بعد تعمُّق أنْ تجعلَها تقف عندك.

  • كاتبة أردنية

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *