مرض عربي اسمه استنساخ البرامج الغربية

مرض عربي اسمه استنساخ البرامج الغربية

- ‎فيرأي في حدث
923
0

آفة بعض المذيعين التلفزيونيين العرب أنهم يحاولون تجاوز مجال اختصاصهم، ليتحولوا إلى خبراء اجتماعيين وأطباء نفسيين وعلماء دين، متصوّرين أن مجرد كونهم يتقنون التعامل مع الكاميرا والمايكروفون يخوّل لهم حشر أنفسهم في تلك المجالات، عن غير دراية كافية وإلمام دقيق.

وخير مثال على ذلك، المذيع التونسي علاء الشابي الذي يقدم البرنامج الاجتماعي «عندي ما نقلّك» على الفضائية التونسية، حيث يقدّم نفسه كما لو أنه يحمل «خاتم سيدنا سليمان»، يستطيع بواسطته فكّ أكثر المشكلات الاجتماعية تعقيداً، من قبيل التصادمات الزوجية وخلافات الآباء مع الأبناء وغيرها.

الطاهر الطويل
الطاهر الطويل

المسؤولون عن هذا البرنامج ينتشون لنِسَب المشاهدة العالية التي يقولون إنه يحققها؛ علماً بأن تلك النسب ليست وحدها دليلا كافيا على جودته ونجاحه وقدرته على أداء الرسالة المتوخاة من ورائه؛ ففي السياق العربي، تميل طائفة عريضة من الجمهور إلى البرامج التي تحقق الإثارة وتدغدغ المشاعر وتلهب العواطف، لعدة عوامل، من بينها تفشي الأمية بنسب عالية، وعدم وجود تقاليد راسخة للمشاهدة التلفزيونية تمكّن من تمييز الغث من السمين، وعدم قيام المؤسسات المعنية ـ كوزارات الثقافة والتربية والإعلام ـ بالدور المنوط بها في تنمية الذائقة الجمالية للجمهور.

والملاحظ أن برنامج «عندي ما نقلّك»، على غرار برامج مشابهة في التلفزيونات العربية، يعتمد ما يطلق عليه «تلفزيون الواقع»، حيث يستدعي شخصين من أجل محاولة فكّ الخلاف الموجود بينهما، وإتاحة المجال للمكاشفة بينهما من خلف ستار، وذلك اعتماداً على عنصر المفاجأة، حيث لا يكون أحدهما على علم بوجود الآخر.

يركّـز البرنامج، غالباً، على الفئات الاجتماعية البسيطة، فهي التي يمكن أن تعرض خلافاتها على التلفزيون بوجه مكشوف، ربما نتيجة قلّة الوعي بالانعكاسات المحتملة لمرورهم عبر التلفزيون على حياتهم العادية، أو ربما نتيجة ما يتردد من كون بعض الحالات التي تشارك في هذا النوع من البرامج تتلقى «تحفيزات مشجعة» من لدن شركات تنفيذ الإنتاج. ولذلك، لا نكاد نرى في هذه البرامج وجوها ميسورة، لأنها تترفع عن كل ما يمكن أن يسيء إلى سمعتها وسمعة عائلاتها ومكانتها في الوسط الاجتماعي والمهني.

برنامج «عندي ما نقلك» هو مثال لبرامج تلفزيونية عديدة انتشرت خلال السنين الأخيرة في القنوات العربية، اعتمادا على استنساخ برامج أصلية معروفة في القنوات الأوروبية والأمريكية. غير أن السياق الاجتماعي والثقافي والنفسي للمشاهد العربي مختلف تمام الاختلاف عما هو موجود لدى المشاهد الغربي، فما هو مقبول وعادٍ لدى هذا الأخير قد لا يكون مقبولا لدى الأول، بالنظر إلى اختلاف منظومة القيم.

يضاف إلى ذلك، أن ما يهم منتجي برنامج «عندي ما نقلك»، وما شابهه من برامج أخرى، هو الفرجة بمعناها المبتذل، وليس تحقيق أهداف تربوية واجتماعية، ضاربا عرض الحائط أية تأثير سلبي متوقع لمشاركة بعض الضيوف في البرنامج على حياتهم العادية. ومن ثم، تكون النتيجة ارتكاب عدة أخطاء مهنية، من مثل المساس بالكرامة الإنسانية والاعتداء على الحياة الخاصة. فلا غرابة، إذن، أن تسارع «الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري» في تونس بإبداء موقفها من البرنامج المذكور، حيث أصدرت في حقه قرارا بمنع إعادة بث إحدى حلقاته وحذفها من الموقع الإلكتروني للقناة المذكورة وكذلك من صفحات التواصل الاجتماعي التابعة لها.

وكم كان مثيرا للامتعاض ما وقع لسيدة شاركت في «عندي ما نقلك» لطرح خلافها مع زوجها، فنسيت قضيتها التي جاءت من أجلها، وشرعت تتغزل في مقدم البرنامج، علاء الشابي، دون أن يكلف هذا الأخير نفسه بحذف تلك اللقطات (بما أن البرنامج مسجل وليس مباشرا)، فما كان من المسكينة سوى أن تلقت طعنات بالسكين في الوجه من زوجها. وحاولت القناة الركوب على القضية باستضافة الزوجة المعتدى عليها، بحثاً عن إثارة جديدة ونسب عالية من المشاهدة.

أإلى هذه الدرجة صار المواطن العربي مجرد أداة لتحقيق الربح عند بعض القنوات التلفزيونية؟

ثمة صنف آخر من الإعلاميين العرب، يعتبر أن الوصفة السحرية للبرامج السياسية الناجحة هي امتلاك أكبر قدر ممكن من الجسارة ومن جحوظ العينين تجاه الشخصيات السياسية التي يستضيفها. ولذلك، يسعى إلى أن يحوّل الحوار التلفزيوني إلى جلسة استنطاق بوليسي، حالماً بلحظة ما يشعر فيها الضيف بالغضب أو الحرج فيخرج عن طوره أو يتورط في عبارة معينة، تخرج عفوية من فمه، ويمكن أن تحتمل أكثر من تأويل، أو على الأصح سوء تأويل.

مقدمو هذه البرامج الحوارية، مدفوعين بهوس البطولة والنجومية، يتخلّون عن الحيادية المطلوبة فيهم، ليتحولوا إلى أطراف في القضايا المثارة، يعطون فيها آراءهم وملاحظاتهم، دون الاكتفاء بطرح الأسئلة بتجرد ومهنية. ولذلك، يتحول الضيف المحاور عندهم إلى متهم حينا وخصم حينا آخر، فلا بأس من أن تُوجَّه إليه الرماح من كل حدب وصوب، لكي يصبح «مسخرة» لدى الناس. والحال أن المطلوب من البرامج الحوارية أن تخلق الجدل الإيجابي والبناء الذي يقرّب الجمهور من الحقيقة المتصلة بمجال عمل الضيف وانشغالاته.

يقولون عن الإعلام إنه سلطة رابعة. وهناك من يفهم ذلك على نحو خاطئ. إنه سلطة رابعة، تأتي بعد السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية. وبالتالي، لا يمكن للإعلامي أن يتصور نفسه متماهياً مع إحدى هذه السلطات أو معها جميعا.

* كاتب مغربي

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *