حتى لا تكون “جنيف 3 ” رخصة للقتل

حتى لا تكون “جنيف 3 ” رخصة للقتل

- ‎فيرأي في حدث
926
0

بينما تنطلق بتعثر أعمال مسار جنيف 3 ، تصاعدت العمليات العسكرية والغارات الروسية كأن الدبلوماسية الساخنة على وقع الطائرات المقاتلة والمدافع والبوارج تريد تكريس الامر الواقع وفرض نتائج العنف المتناهي على جدول الأعمال.

لا يبدو ان هدف ما يسمى المجتمع الدولي التخفيف من اثار التغريبة السورية أو وضع حد للكارثة الإنسانية الكبرى الأولى في القرن الحادي والعشرين ، بل يظهر ان روسيا تريد استخدام المسار لتشريع نفوذها وسطوتها وفرض حل يلائم مصالحها . ومن هنا تبدو المهمة شاقة امام من يمثل تطلعات الشعب السوري وضحايا آلة قتل النظام وحلفائه ، حتى لا يكون هذا المسار بمثابة رخصة للقتل او بالأحرى لاستمرار قتل الشعب السوري والتمادي في التطهير الطائفي والفرز السكاني القسري،

د.خطار أبو دياب
د.خطار أبو دياب

إن ما يجري على ارض الواقع لا يتصور حدوثه من له بعض العقل او قدر يسير من الحس الإنساني . يشمل الحصار ثمانية عشر منطقة وعشرات الألوف من الأشخاص . أيعقل ان يموت الناس جوعا في مضايا وتتحول الغوطة الخضراء الى سجن في الهواء الطلق ولا يصل الغذاء الى دير الزور أو تبادل وتدمر درعا وحمص وادلب وحلب وريف اللاذقية . إنه مسلسل قتل الإنسانية المستمر تصاعدا في الداخل او في مخيمات النزوح او غرقا في رحلة الهرب من الجحيم الى المجهول .

يتحدثون عن السلام في هكذا ظروف قاهرة ويتشدقون بالتمنيات ، يسرقون المساعدات ويمارسون الابتزاز بالتجويع والتعذيب والنفي والاعتقال … الأمم المتحدة قادرة عبر فريقها في سوريا على مواكبة تحريك مقاتلين وفق اتفاقيات معقودة ، لكنها تبدو عاجزة عن إيصال الحليب للأطفال او إنقاذ مرضى غسيل الكلي الى ما هناك من مآسي يصعب تعدادها وتوصيفها. هل تدفع هذه الصورة القاتمة لرفض كل محاولة للخلاص وإنقاذ ما يمكن إنقاذه ؟

الجواب بالطبع لا بالرغم من فداحة التضحيات والاثمان لأن إنقاذ العباد والبلاد مهمة تستحق العناء والمحاولة ووضع النظام ومن يحميه على محك الاختبار ، ومطالبة الجميع بتحمل مسؤولياتهم .

من الناحية العملية يعتبر تركيز المعارضة في جنيف 3 على وقف القصف وفك الحصار والبدء بإطلاق المعتقلين، أقل ما يمكن تقديمه من إجراءات بناء ثقة نص عليها القرار الدولي رقم 2254 . إنه تكتيك تفاوضي ناجح في وجه نظام البراميل المتفجرة ، نظام الاستتباع لإيران وتسليم البلاد خلسة لروسيا إلى حد ان الصحافة الروسية أخذت تطلق على سوريا لقب ” روسيا الجديدة” .

بالطبع في ظل ميزان القوى المختل بسبب الاختراق الروسي والانكفاء الأمريكي ( البعض يريد وصفه بالتسليم والتواطؤ) والرضى الإسرائيلي ، يعتبر أداء المعارضة معقولا في اعتمادها على تراكم تجاربها وعلى دعم من النواة الصلبة لحلفائها العرب والإقليميين والأوروبيين.

ولذا كان عدم المشاركة في جنيف 3 له تبعات وخسائره اكثر من خسائر المشاركة الحذرة والنبيهة لأن هدف روسيا وإيران والنظام اللعب على تناقضات المعارضة وحلفائها أو تيسير استبدالها بمعارضة طيعة

المعركة طويلة لأن النزاع السوري هو كناية عن عدة حروب في حرب ولأن هذا النزاع مفصلي في عباب بحر الشرق الأوسط الهائج . في السنة الأخيرة من عهد أوباما يتصور القيصر الجديد بوتين انه سيقضي على الثورة السورية ولذا سيكون الصراع حادا سياسيا وإنسانيا وعسكريا في آن معا .

وما يزيد من الصعوبة إننا امام مرحلة انتقالية عالميا هي مرحلة التخبط الاستراتيجي التي تشهد إعادة تركيب القوى والتحالفات خاصة أن النظام الدولي ما هو إلا المنظومة التي تعكس حجم التفاعلات التي تقوم بين الدول والمنظمات الدولية ومجمل اللاعبين من منظمات غير حكومية وشركات وكيانات وغيرها .

ومن ناحية أخرى فأن الأولوية المعطاة للحرب ضد داعش الفزاعة ووجود نزاعات في العراق واليمن وليبيا والتوتر حول ضفتي الخليج وحرب أسعار النفط تشتت الاهتمامات ، وأضف الى ذلك استمرار تفاعلات النزاع الاوكراني مما يرشح الساحة السورية لتكون كذلك ساحة حروب الآخرين او علبة بريد لرسائلهم .

إزاء هكذا مشهد استراتيجي مليء بالتعقيدات والتحديات ، تكمن المهمة الملحة اليوم ألا يكون مسار جنيف 3 رخصة للقتل او مسرحية لتكريس الانقلاب الروسي وتعويم النظام. الأهم احباط الخطط المضادة وتنظيم الصمود والإصرار على بدء الانتقال السياسي ومن دون ذلك يكون الدوران في المجهول.

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *