أمل القبيسي…سيدة الدبلوماسية البرلمانية العربية

أمل القبيسي…سيدة الدبلوماسية البرلمانية العربية

- ‎فيافتتاحية
716
0

كنت من الصحافيين القلائل الذين تشرفوا بمرافقة الدكتورة أمل القبيسي رئيسة المجلس الوطني الاتحادي الإماراتي (البرلمان) خلال زيارتها الرسمية الى كل من النمسا و بلجيكا على رأس وفد برلماني إماراتي رفيع دامت نحو تسعة أيام.

الدكتورة أمل عبد الله القبيسي لمن لا يعرفها هي أول امرأة إماراتية تنتخب رئيسة لبرلمان بلدها المجلس الوطني الإتحادي منذ تأسيسه عام 1972 ، و أول امرأة ترأست جلسة من جلساته عام 2012 ،و أول امرأة تفوز في انتخابات في الإمارات عبر صناديق الإقتراع، و أيضا أول امرأة تصل الى رئاسة برلمان في العالم العربي برمته،و أول مسؤول عربي يزور موقع تفجيرات بروكسل الإرهابية و يضع إكليلا من الورود و يواسي بعض عائلات الضحايا و يجول في كل أرجائه دون خوف، و يدون كلمات تدين العنف و التطرف على جدار محطة مترو “ملبيك” التي استهدفها الإرهابيون.

محمد واموسي
محمد واموسي

تحت هذه الصفة دخلت الدكتورة أمل القبيسي مبنى البرلمان الأوروبي و مقر المفوضية الأوروبية بحجابها الأنيق و لغتها الانجليزية المتميزة و فكرها الواسع للتباحث مع كبار المسؤولين الأوروبيين في مقدمتهم  فيدريكا موغريني الممثلة العليا لسياسة الأمن و الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي و مارتن شولتز رئيس البرلمان الأوروبي،إضافة الى كثير من رؤساء اللجان في البرلمان الأوروبي و المفوضين الأوروبيين لقطاعات متعددة كالخارجية و الطاقة و العلوم و بعض زعماء الأحزاب السياسية الاوروبية.

و في أحد هذه اللقاءات التي تشرفت بحضورها أتذكر داك الدبلوماسي الفرنسي الذي همس في أذني قائلا فور دخول السياسية الإماراتية إحدى قاعات البرلمان الأوروبي للمشاركة في ندوة حول تمكين المرأة ” إن أكثر شيء يخرس المسؤولين الأوروبيين تجاه البلدان العربية و المسلمة هو حين يرون امرأة على رأس المسؤولية”.

الدبلوماسي الفرنسي يعني بكلامه هذا أن المسؤولين و أصحاب القرار في أوروبا يدركون جيدا أن المرأة  حين تتقلد المسؤولية تتميز بشخصية قيادية وناجحة،و تسعى دائماً للوصول إلى سلم النجاح وتحقيق أهدافها كاملة بأسرع وقت ممكن،و تمتلك القدرة على المسؤولية الكبيرة التي تدفعها الى أعلى درجات التمييز والإنجاز في العمل، فهي ذكية وتستطيع تنفيذ قرارات ذكية  وناجحة.

الدكتورة القبيسي خلال كل لقائاتها مع المسؤولين الأوروبيين كانت تتحلى بكل هذه الصفات و ربما أكثر،شجاعتها تتحدى أقوى الرجال و طموحاتها حدودها السماء،ثقافة واسعة و ثقة  كبيرة و و إصرار لا يقبل بغير التميز و النجاح و التفوق و حجاب عصري أنيق يرمز لأصالتها و هويتها..

شخصية صارمة ومرنة، حنونة وقاسية في الوقت نفسه، امرأة حديدية استطاعت كسب شعبية كبيرة في بلادها و العالم العربي،المقربون منها يصفونها بالأم الحنون على أولادها في الأزمات، والأب الصارم وقت الحاجة..استطاعت أن تخرج الدبلوماسية البرلمانية في الإمارات الى الواجهة مند اعتلائها رئاسة البرلمان، و انتزعت دعم روسيا الدولة العظمى في دعم مطلب بلادها استرجاع الجزر الإماراتية الثلاث المحتلة من قبل إيران “طنب الصغرى” و “طنب الكبرى” و “أبو موسى” .

أثارت الدكتورة القبيسي دهشة الكثيرين داخل البرلمان و المفوضية الأوروبيين، و أتبثت أن المرأة العربية قادرة على مواجهة التحديات بقلب كبير،و أن تلعب دورا كبيرا في القضايا الإقليمية و الدولية كمحاورة متمرسة و مدافعة قوية عن قضايا أمتها.

دافعت بشراسة عن الإسلام كدين سلام و تسامح و محبة،و أوصلت رسالة إلى من يهمه الأمر بأن الإرهاب لا دين و لا هوية و لا و طن و لا عرق و لا لون له، و أن المتطرفين الذين اعتدوا على بروكسل و قبلها باريس خطفوا الإسلام و ارتدوا قناعه ،و أن من يمول الإرهاب خائن لدينه ومن يرضى بتمويله خائن لوطنه و ممول الإرهاب يتفادى التضحية بنفسه ويقدم غيره ضحية في العمليات الإرهابية لقتل الأبرياء والتخريب والتدمير و التسبب في الألم للناس.

تحدثت في كل لقاءاتها مع المسؤولين و حتى الصحافيين الأوروبيين عن ما أسمته الفكر الضال،و كيف أن حامليه و مروجيه و معتنقيه هم أخطر بكثير من منفذي الاعتداءات الإرهابية،لأن الغدر من شيمهم و القتل غايتهم و قطع الأرحام صنيعتهم و الشيطان قدوتهم.

حين دخلت الدكتورة أمل القبيسي الجلسة العامة للبرلمان الأوروبي في بروكسل تحت التصفيقات الحارة و المطولة لأعضائه ال736، سارع رئيسه الألماني مارتن شولتز إلى الترحيب بها بطريقة خاصة،فوقف من على منصته موجها لها باسمه و باسم البرلمان الذي يرأسه تحية خاصة لإدانتها باستمرار الإرهاب و التطرف و العنف،كما أشاد بمبادرتها كأول مسؤول من دولة عربية و مسلمة يضع باقة من الورود في موقع تفجيرات بروكسل.

زيارتها رفقة الوفد الغماراتي المرافق لها لموقع هجمات بروكسل الإرهابية لم تكن مجرد زيارة عادية لوفد أجنبي يزور موقعا تعرض لاعتداء إرهابي حتى و إن كانت سبقت ملك بلجيكا نفسه إلى محطة “ملبيك” بنحو ثلاث ساعات،بل تعدى ذلك إلى مسح دموع الحزن عن ضحايا هذه الاعتداءات، حين خرجت السيدة القبيسي عن البرنامج المسطر لها في البروتوكول بمعية نائب رئيس البرلمان الأوروبي دافيد ساسولي لتقوم بدور الأم و لو للحظات.

لقد شاهد كل من حضر الزيارة الرمزية للموقع القريب من المفوضية الاوروبية في حب شومان معقل الترسانة الدبلوماسية الأوروبية وسط بروكسل، كيف لمحت الدكتورة القبيسي فتاة بلجيكية فقدت قريبا لها في الهجوم الإرهابي على محطة المترو غارقة في الحزن تشعل شمعة في عين المكان،رتبت على كتفها ثم واستها في مصابها الجلل،عانقتها عناق الأم لابنتها، فاندفعت الدموع الغزيرة و الأسى في عيون الفتاة المكلومة في مشهد مؤثر ينعي الضمير الإنساني.

أمل القبيسي.. السيدة التي قلبت الطاولة على الوفد الإسرائيلي في اجتماع الاتحاد البرلماني الدولي الذي عقد في العاصمة التايلاندية بانكوك صنفت من بين أقوى نساء العالم العربي، تخطت بكثير النفوذ الأسطوري لكثير من سيداته ممن أطلق عليهن لقب المرأة الحديدية، وباتت عنوانا وحيدا على قدرة المرأة العربية على النجاح فيما فشل فيه الرجل.

حين كانت ترأس مجلس أبوظبي للتعليم جالت العالم طولا و عرضا بحثا عن آحدث الخطط التعليمية في العالم و أنجحها و أكثرها ملائمة للمجتمع الإماراتي،فالمرأة كانت على قناعة بأن عصر التعليم التقليدي القائم على التلقين لم يعد له مكان على أجندة التعليم الإماراتية،و أن الوقت قد حان لدمج التكنولوجيا الحديثة و العلوم الرقمية و التقنيات و الابتكار في المناهج المدرسية.

قصة نجاح و نموذج للمرأة العربية و الإماراتية المتفوقة و المتمكنة،صعد نجم أمل القبيسي بسرعة فائقة خلال السنوات الأخيرة، لتتحول من مجرد عضوة في البرلمان الإماراتي إلى نائبة لرئيسه،ثم رئيسة له من خلال انتخابها بالتزكية فتحولت إلى حديث الساعة بفضل حنكتها و دهائها و تواضعها و حسن تدبيرها و دبلوماسيتها و لباقتها،، نما حسها السياسي بشكل أكبر وبدت نشيطة أكثر في مجال الدبلوماسية البرلمانية.

يجمع أغلب من يتابع مسيرة أمل القبيسي و معظم السياسيين ورؤساء الدول ممن يلتقونها بأن شخصيتها منفردة، امرأة حديدية بأتم معنى الكلمة، شخصية متكاملة تستطيع فرض نفسها وتصنع جوا مختلفا على كافة اللقاءات والاجتماعات، حيث يمتلك المرء الشعور بأن القبيسي تطلق العنان لمزاجها الجيد والبهجة عند كل لقاء،بالتوازي مع الحرص على الحضور السياسي الوازن في كل المؤتمرات و اللقاءات التي تحضرها باسم بلادها،تحسن الإصغاء و الإستماع و تتقن فن الإقناع و التأثير على الآخرين.

بعيدا عن المناسبات الرسمية و اللقاءات و المباحثات و الجلسات العامة فإن القبيسي الإنسانة لا تختلف كثيرا عن القبيسي السياسية..نعم هكذا هي – لمن لا يعرفها -..إنسانة متواضعة بكل ما تحمله الكلمة من معنى..

تمارس إنسانيتها بكل صدق..

و تعيش حياتها كباقي الناس..

* صحافي و إعلامي مغربي مقيم في باريس

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *