آن للدكاكين الصحفية أن تمد أقدامها

آن للدكاكين الصحفية أن تمد أقدامها

- ‎فيرأي في حدث
253
0

بقلم : أحمد المصري °

من المأثورات أن الإمام أباحنيفة وقد انبهر في أحد مجالسه أمام تلاميذه برجل يرتدي جبة العلماء جالس أمامه، فثنى قدميه وقد اعتاد أن يمدهما، ولما نطق الرجل في مسألة، اكتشف أبوحنيفة حجم جهله رغم جبته، فقال قولته المشهورة : آن لأبي حنيفة ان يمد قدميه.

و في عالم الإعلام المعاصر، ومع حادثة مأساة اختفاء جمال خاشقجي، وبمتابعة لكل ما تبثه وسائل الإعلام الكبيرة ” افتراضا”، نردد ذات المقولة بعد تحويرها فنقول “آن للدايلي ميل او الصن ـ مثلا ـ أن تمد قدميها”، وهذا ليس تقليلا من شان تلك الصحف معاذ الله فهما من الاكثر انتشارا وربما مبيعا في بريطانيا.

أحمد المصري
أحمد المصري

مع كل تنديدنا بجريمة إخفاء واختفاء الصحفي السعودي جمال خاشقجي (والحقيقة فالرجل كان أكثر من صحفي وكاتب رأي)، فإن التنديد الحقيقي ينصب على ماكينة الإعلام العالمي الضخمة والتي أكلت بمسنناتها الحقائق، وهرستها لتخرج علينا بعالم من التضليل اللزج والكثير من الكذب والتلفيق، وبعض الاحيان بالخيال العلمي.

لا يقتصر الأمر على “الجزيرة” مثلا، وهي المختطفة مع دولة المنشأ من قبل تنظيم الإخوان المسلمين، وقد قدمت ولا تزال منذ بداية مأساة الخاشقجي ساعات وساعات من بث الرعب المتواصل، لا بحثا عن الحقائق بقدر ما كان جهدها تصيدا للسعودية، وطبعا ليس حبا في جمال خاشقجي ولكن كرها في محمد بن سلمان، ولاعطاء كل ذي حق حقه فهذه الجملة الاخيرة منسوبة الى الزميل والكاتب الفلسطيني حسن عصفور.

“الجزيرة” التي تحولت إلى مبكاة كربلائية للخاشقجي بقدرة إخوانية عجيبة في التلون، لم توفر جهدا في حشد كل حشوة خبرية ممكنة وغير ممكنة، منطقية او غير منطقية في تجييش المأساة سياسيا، فكانت أداة سياسية موجهة أكثر منها أداة إعلامية تبحث عن الحقيقة، رغم اني كنت مقتنع ان “الجزيرة” سقطت منذ العام 2011 الا اني كنت انتظر ان تخيب ظني.
في المقابل كانت القنوات العربية في الخندق المقابل، أكثر بلاهة في خندق الدفاع لا في خندق البحث عن الحقيقة، وبلا استثناء.

لكن، المؤسف أكثر هو هذا الكم من الإعلام الذي كان يملك بعض المصداقية في العالم، وشيئا من المهنية وقد أخذته العزة بإثم الأجندات المسبقة، فصار ينثر الأخبار بصيغتها العاجلة بلا توثيق ولا مصادر واضحة فقط لتنفيذ تلك الأجندات.

قناة مثل “سي أن أن”، تنشر تقريرا (اعتمدته أنا شخصيا وصدقته بناءا على ثقتي بالقناة) يؤكد ان الرياض ستعترف بمقتل الخاشقجي بالخطأ، وقمت بتبني الخبر مقتنعا بظهور شيء من الحقائق ليتبين أن الخبر كاذب وبلا مصدر يسنده إلا قنوات تمرير معلومات مشبوهة، والكارثة ان القناة لم تعتذر لنشفع لها خطيئة فادحة كتلك، فتصبح نسخة عن “فوكس نيوز” مثلا.

من المدهش أن قنوات غير عربية لكنها ناطقة بها أفلتت من منزلق الرمال المتحركة في قصة خاشقجي، وكصحفي أسجل إعجابي بقناتي “بي بي سي” البريطانية و”الحرة” الأمريكية، اللتان التزمتا الحذر والحرص المهني على عدم الانزلاق في معركة الأجندات، رغم انزلاق بعضها الاخر مثل قناة “دوتشيه فيليه” العربية وموقع “يورو نيوز” ووكالة “رويترز” في تسويقهم لخبر (سحب من تلك المواقع بعد النشر) منسوب لصحيفة اليكترونية سعودية محلية “سبق” يفيد بالقاء المملكة القبض على قنصلها في أسطنبول!

ما حدث في قضية جمال خاشقجي، من تداعيات على خلفية الحدث نفسه، هي أحداث بذاتها، وتداعيات ضخمة تكشف بل تعري ظاهرة الإعلام كحالة مسيسة يشتريها المال السياسي والمصالح السياسية بلا أدنى مهنية و احترام للحقيقة.

لا نلوم “الجزيرة” بعد الآن، فهي انسلخت عن مهنيتها منذ وقت طويل، لكن نلوم ونعتب بشدة على قنوات ومواقع وصحف وثقنا بها لنكتشف مع اختفاء السيد جمال خاشقجي أنها تتواطأ عبر تغطياتها بذات الجريمة ولو عن بعد، وختاما اقول لكل تلك المنصات ان كنتم لا تريدون المهنية فهذا شانكم لكن رحمة ورأفة بعائلة خاشقجي اصمتوا قليلا حتى تنجلي الحقيقة.

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *