الجريمة التي لا تهز أحدا

الجريمة التي لا تهز أحدا

- ‎فيرأي في حدث
107
0

بقلم : بروين حبيب (كاتبة و شاعرة بحرينية)

+

بقليل من التشجيع من صديقه أفرغ رشاشه في جسد أخته، وهكذا غسل شرفه الذي لوثته بمشاعرها التي مالت لرجل ما، هكذا بات غسل الشرف العربي، بقتل نسائنا إن أحببن، وبات واضحا أننا أمة معادية لكل المشاعر الجميلة، فقد أثبتنا في زمن التواصل الاجتماعي أننا أمّة لا يُعتمد عليها في شيء، أمّة تضحي بنسائها ورجالها إن تطلب الأمر لأسباب تبدو غريبة للعالم أجمع.

ولا شك في أن الرسالة التي تلقاها العالم بأسره، أثبتت بدون كثير تفكير أن العنف منبثق عندنا من الأسرة، وهو عنف تجاوز التعنيف اللفظي والمعنوي، إلى العنف الذي ينهي حياة الشخص تماما. هذا العنف الذي بلغ أوجه، يبقى علامة استفهام بالنسبة لشعوب العالم المتحضر، الذي بلغت أجياله الحالية مستوى عاليا من التفكير المخالف تماما لما كان عليه أجدادهم، إذ يبدو للفرد المستقل بذاته أن شرفه مرتبط بسلوكه وأخلاقه، لا بسلوك أخته المستقلة تماما.

يروين حبيب
يروين حبيب

اختلف وضع الصبية العربية عن وضع «أنجيلا» الأمريكية اللاتينية في قصة غابرييال غارسيا ماركيز «الموت في يوم معلن»، حيث قتل أخواها التوأم المتهم الافتراضي الذي اعتدى على عذريتها سانتياغو نصار، وبعد سجنهما ثلاث سنوات، يطلق سراحهما، ما دامت الجريمة جريمة شرف، وتواصل «أنجيلا» حياتها بسلام مع خطيبها «بياردو» وكأن لا شيء حدث. اختلفت الجريمتان، فالأولى واقعية، والثانية متخيلة، ولكن كلتيهما مفجع، كونهما تنطلقان من المرجعية نفسها، وهي الثأر للشرف المهدور، فهذا النوع من الجرائم منتشر أيضا في مجتمعات غربية مختلفة.

فما هي جذور هذه المشكلة العويصة؟

يقال إن جرائم الشرف ممارسة قديمة كُرِّست ثقافيا، ولا علاقة لها بأي دين من الأديان، وهو قانون أو عقاب يوجّه للنساء في الغالب، بسبب «سلوك غير أخلاقي» وهذا يُحدّد حسب الثقافة السائدة عند المجموعة. مع ملاحظة أن انتشار الظاهرة في مجتمعاتنا الإسلامية أكثر من غيرها، يفسرها البعض بانحدارها من معتقدات مختلفة، وتلاقحها مع بعضها بعضا حتى بلغت مستوى التصفية الجسدية للمرأة. وكمثال يحضرني بالمناسبة، فالملك هنري الثامن أشهر من أنزل عقاب الموت على زوجته آن بولين بحكم محكمة، بعد أن عرف بخياناتها، وهذا يعتبر بداية تشريع غريب أسس له الملك، بدون قراءة للعواقب التي نخرت أبناء مملكته.

غير ذلك، فإن صعوبة الانصهار الثقافي للمهاجرين من الشرق نحو الغرب، جعل الظّاهرة تنتقل إلى عقر أوروبا وأمريكا بوجهها الذي نعرفه، ويبدو أنها ستتضاعف بتضاعف اللاجئين فيها، وتفاقم مشاكلهم الحياتية اليومية، إذ يصعب على المقيم الجديد الباحث عن الأمن والتأمين الصحي والتعليم المجاني، وكل مقومات الحياة الكريمة، أن يتأقلم مع ثقافة أهل البلاد، كأن يتقبل خروج ابنته بعد سن البلوغ مع شاب من غير ملته ودينه، على الرغم من أنه لا يرى أي غرابة في علاقات أبنائه الذكور مع النساء الأجنبيات. إنّ التّنكّر الحاصل تجاه الأنثى المتشبعة بثقافة موطن نشأتها وثقافتها، يخالف تماما المنطق في التفرقة بين الذكور والإناث، فما السبب في ذلك؟

نسجّل بعض ما يجب التنبُّه إليه من مساعدة المرأة للتخلص من المرأة، في حالات ملامسة شرف الرجال، ففي الجرائم التي ترتكب ضد النساء، يحدث أن تكون الأم هي منفذة الجريمة، لتغسل عارها وعار العائلة، إن تردّد أبناؤها في فعل ذلك!

و رغم تزايد عدد النساء اللواتي يقتلن كل عام في العالم العربي والإسلامي، يسود الصمت مشهدنا الثقافي، ما يجعل جريمة قتل النساء تبدو كأنّها مقبولة ضمنيا، ولا تحتاج لثورة لمنعها برفع سقف العقوبة للقتلة، ونشر ثقافة مغايرة لثقافة تعنيف النساء التي تشبع بها مجتمعنا. والأغرب أن يؤسس المثقف العربي لفكر يربط شرف الرّجل بالسلوك الجنسي لابنته أو اخته أو زوجته، ففي الأدب العربي يحضر الجنس، ولا يحضر الشرف، تحضر الأيديولوجيات، والصراعات الفكرية والدينية،

ويبقى مفهوم الشرف غامضا. بدون سبب واضح، عكس الدراما العربية، التي جعلت من الشرف أحد العقد الجيدة لجذب المشاهد العربي، وقد كرّست للثقافة القبلية نفسها بدون انتقادها بالأدوات المتاحة لها. فعلى مدى مئة عام وأكثر، ونحن نرى في الأعمال الدرامية المصائب التي تحل بالعائلات، جرّاء خروج إحدى بناتها من حظيرتها، كأن تصاب الأم بشلل نصفي، أو يموت الأب بصدمة قلبية، وتتفكك زيجات الأخوة والأخوات، وهلمّ جرّا، في خطاب غريب جعلنا على مدى هذا الدهر من الزمن، نعتقد فعلا أن الشرف يقبع في الأعضاء التناسلية للمرأة، أو في رفضها لعريس معين، أو في تلقيها لمكالمة خاطئة من شخص ما، بدون أي نوايا سيئة، إذ كثيرا ما يحدث ذلك، لينتهي الأمر بجريمة شرف، خلفيتها مكالمة خاطئة، وكثير من الشك في غير محلّه.
ومن بين الحكايات البشعة العالقة بذهني، محاكمة زوجين سنة 1993، الزوج فلسطيني مسلم، والزوجة برازيلية كاثوليكية، هالني وقتها أن يكون الأب فلسطينيا أطلق على ابنته اسم فلسطين، ولكنه لم يعرف أن يرعاها، بل أنهى حياتها بست عشرة طعنة، بمساعدة الأم، لأن ابنتهما تعرفت على شاب أمريكي ذي بشرة سوداء.
سؤال بريء الآن، هل يمكن لهذه الجرائم أن تحدث لو أن مفهوم الشرف عندنا تغيّر؟

و من المسؤول عن صقل هذه المفاهيم وبثها في الثقافة الجماعية للمجتمعات؟ أليست الفئة المستنيرة التي تدعي العلم والمعرفة؟ لماذا لا تقوم هذه النخبة بواجباتها، إذ يبدو لي أن مفاهيم كثيرة تعلمناها بشكل خاطئ، مثل مفهوم الحرية والاستقلال، والعلم والعلماء، والديمقراطية، والجريمة والإنسان. حتى الإنسان لم نحدد مفهوما واضحا له، وإلا لأدركنا أنه الرجل والمرأة معا، وأن تلك العداوة التي نروج لها بين رجالنا ونسائنا تضعنا في مرتبة المجانين، فكيف يكون الإنسان عدو نفسه؟ وعدو رفيقه وحبيبه وسلالته ومملكته التي يعيش عليها «الأرض»؟ كيف اتفقنا أنه الكائن الأعقل على الكوكب، ولكنّه حين يكسر قواعد العقل، لا نفعل شيئا؟ ولماذا ينتفض الإعلام، والمثقفون لجريمة، ويسكتون أمام جريمة أخرى؟

سأجيب وقد يكون جوابي غير مقنع حاليا، لكن الجريمة تصنف في مجتمعنا بين جريمة مهمة وأخرى غير مهمة، حسب تداعياتها الأيديولوجية، ومدى ارتباطها بواقع سياسي معين، وإلاّ فإنها لا تدان إلاّ من طرف أفراد لا صوت لهم، لتبقى مستمرة، سواء شئنا أو لم نشأ.

قتلت رشا بأبشع طريقة من طرف أخيها، ولكن لسوء الحظ، أن القاتل والمقتول فيها لا معنى لهما في سلم الأولويات السياسية، أو غيرها من الأولويات… مثل كابوس انتهى، وقد يتكرر وسينتهي بالطريقة نفسها، مع قلــــيل من التأفف، وكثير من قلة الاهتمام، إلى أن يستعيد الإنسان عندنا إنسانيته، ويدين الجريمة كيفما كانت، لأن لا فرق بين جريمة وأخرى.

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *