السترات الصفراء و “الكلاسين” البيضاء

السترات الصفراء و “الكلاسين” البيضاء

- ‎فيافتتاحية
593
0

بقلم : محمد واموسي ، كاتب و إعلامي و صحافي مغربي

+

حين فرض القانون الفرنسي عام 2008 على جميع سائقي السيارات و المركبات ارتداء السترة الصفراء كإجراء وقائي في حال تعطلت سيارتهم على الطريق،كان هدفه أن يلفت انتباه باقي السائقين بأن سائقا أصيبت سيارته بعطل ميكانيكي أو كهربائي وسط الطريق،و اضطر للتوقف و الخروج منها لإصلاح العطب أو الانتظار على جنبات الطريق إلى حين وصول خدمة المساعدة في حالات الطوارئ.

لم يكن يخطر في بال المشرع الفرنسي أبدا أن هذه السترات الصفراء التي فرض على جميع سائقي السيارات ارتدائها في حال تعطلت سيارتهم على جنبات الطريق،ستتحول إلى رمز لأكبر و أخطر حركة اجتماعية عفوية انطلقت من مواقع التواصل الاجتماعي في فرنسا، تعتقد أن وضعها الاجتماعي تعطل بالكامل ما اضطرها لارتداء هذه السترات، و الخروج للشارع للفت انتباه رئيس البلاد و حكومته لحالتهم الاجتماعية التي عطلتهم في طريق حياتهم اليومية.

خرجت السترات الصفراء في البداية في فرنسا للتنديد بفرض الحكومة ضرائب على أسعار الوقود ،و بارتفاع تكاليف المعيشة و تراجع القدرة الشرائية، ثم امتدت مطالبها لتشمل إسقاط جميع الإصلاحات و الإجراءات الضريبية التي اعتمدتها حكومة إدوارد فيليب،و تراها مجحفة و مستنزفة للطبقة العاملة،ثم ارتفعت لتستنكر إقدام الرئيس على اتخاذ قرار مثير للجدل يقضي بإلغاء الضريبة على الثروة في بهدف مغازلة الأثرياء و جعلهم يتراجعون عن تحويل أموالهم إلى خارج فرنسا.

بدأت السترات الصفراء اولا بالمطالبة بخفض قيمة الضرائب على المحروقات،ثم انتقلت إلى دعوة الحكومة إلى رفع الحد الأدنى للأجور،قبل أن ترفع السقف عاليا حين صرخت بأعلى صوتها منادية بتقديم  رئيس البلاد استقالته من منصبه،مهددة باقتحام قصر الإيليزيه لطرده منه بالقوة إن لم يفعل.

استجاب الرئيس ماكرون للضغط خاصة حين تحولت بعض مظاهرات السترات الصفراء إلى مواجهات مع الشرطة و أعمال شغب و حرق و تخريب،فخفض الضرائب، و رفع الحد الأدنى للأجور بنحو مائة يورو،و أمر الحكومة بتخصيص منحة مالية استثنائية بقيمة بلغت ألف يورو لكل من لا يتجاور راتبه الشهري 3500 يورو، و وعد بالتحكم في النفقات،و ألغى الضرائب على ساعات العمل الإضافية..10 مليارات يورو..

تكلفة تنازلات ماكرون لـ«السترات الصفراء» بلغت 10 مليار دولار،كلفة ثقيلة و مؤلمة و منهكة لخزينة الدولة الفرنسية في غياب تمويل بديل،و مع ذلك اتخذها على مضض،و قال رئيس الحكومة إدوارد فيليب قولته الشهيرة “لا توجد ضريبة تستحق تعريض وحدة الشعب للخطر”.

اتخذ ماكرون كل هذه القرارات و وجه خطابا للأمة لشرحها،فخاطب الشعب الفرنسي قائلا “عزيزي الفرنسي،عزيزتي الفرنسي،لا أنسى بأنه هناك غضب لدى الكثير من الفرنسيين، فهناك جزء من الشعب يعيش صعوبات اقتصادية جمة ولقد رأيت ذلك،أدرك جيدا أنني جرحت البعض من خلال تصريحاتي، وأؤمن بقوة بأنه يمكننا إيجاد حل”.

لم يستخدم مصطلحات متداولة في عالمنا العربي دائماً مثل “أبنائي/شعبي”، خاطبهم بكل احترام و رقي و عدم فوقية ولم يعطي نفسه مكانة أعلى في الخطاب للشعب كرئيس دولة.

لم يوجه بإنزال الجيش، و لم يأمر بإطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين،بل حث الشرطة على تنظيم المظاهرات و تليين موقغها مع المتظاهرين و تفتيش الجميع قبل السماح لهم بالمرور إلى الشوارع و الأماكن المعروفة، و حذرها من استخدام العنف معهم، إلا إذا تعلق الأمر بالمخربين الذين يستغلون مثل هذه الظروف لممارسة عبثهم في تحظيم واجهات المحلات و نهبها و حرق الممتلكات.

هكذا هم الرجال الذين يحبون أوطانهم..يعلمون أنهم راحلون عن الكراسي، و لا مناصب لهم مدى الحياة..الأولوية بالنسبة لهم سماع مطالب شعوبهم مهما كانت مؤلمة و صعبة التحقيق..

يعرفون أنهم ذاهبون و الشعب باق،و لا مفر من الإصغاء لصوته مهما كانت التضحيات و الإكراهات الاقتصادية.

و بينما ينتفض الفرنسيون رفضًا لحزمة إصلاحات ماكرون الذي جاء عبر صناديق الانتخاب و يرتدون السترات الصفراء للمطالبة بالتراجع عنها، يعم الصمت كثيرا من البلدان العربية، فلا تسمع إلا همسا خوفا من فوهة البندقية الموجهة في الشارع و الإعلام ضد كل من يتجرأ على رفع صوته..

عزيزي رجل الأمن العربي العبقري الذي يخشى السترات الصفراء، اطمئن حين تغضب الشعوب في بلداننا العربية احتجاجا على وضعها الاجتماعي لن ترتدي سترات صفراء و لا حمراء و لا سوداء،بل سترتدي “الكلاسين البيضاء” ،هي ما سيبتبقى لها لحفظ كرامتها، و لن تتراجع في مطالبها حتى لو قلتم لها  “البحر من ورائكم”..

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *