الكعكة الليبية تقسم فرنسا و إيطاليا

الكعكة الليبية تقسم فرنسا و إيطاليا

- ‎فيافتتاحية
250
1

بقلم : محمد واموسي ، كاتب و إعلامي و صحافي مغربي

+

كل هذه الأزمة الدبلوماسية المشتعلة بين فرنسا و إيطاليا سببها الرئيسي ليبيا،لا سترات صفراء و لا أوشحة حمراء  و لا كلسونات بيضاء،النفط الليبي هو أصل الخلاف بين ايطاليا دولة الاحتلال القديم، و فرنسا التي قادت عمليات الناتو و أسقطت القذافي، و كل واحدة منهما تريد الاستفراد بالثروات الليبية وحدها و تجعل من ليبيا منطقة نفوذ لها.

أولا يجب الاشارة أن هذا التوتر الذي بات يشوب العلاقات الفرنسية الايطالية ليس وليد اليوم و لابد من وضع الأمور في سياقها،فهذه المناوشات الدبلوماسية بين باريس و روما بدأت عمليا منذ تولي ائتلاف اليمين والشعبويين الحكم في ايطاليا في يونيو من العام الماضي.

هوة الخلافات بين البلدين تبدو عميقة فيما يتعلق برؤية كل طرف في التعاطي مع ملف الهجرة و المهاجرين،و هذا ما تجلى عمليا في أولى بوادر الأزمة يوم  تحولت قرية كلافيير الحدودية بين البلدين إلى عنوان أزمة دبلوماسية بين فرنسا وإيطاليا بسبب المهاجرين،حين أعلن وزير الداخلية الإيطالي ماتيو سالفيني، عن إرسال الشرطة الإيطالية للقيام بدوريات على الحدود مع فرنسا لمنع دخول مهاجرين تريد فرنسا طردهم. 

ثم تصاعد هذا التوتر بين البلدين مجددا في ضوء الأزمة التي تسببت بها السفينة اكواريوس، حين ألغى وزير الاقتصاد الايطالي جيوفاني تريا لقاءا كان مقررا في باريس مع نظيره الفرنسي برونو لومير الذي أسف لهذا القرار.

و أيضا حين لوح وزير الداخلية الايطالي ماتيو سالفيني زعيم حزب الرابطة اليميني المتطرف بالعمل على الغاء اللقاء المقرر بين الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون و رئيس الحكومة الايطالية جوزيبي كونتي،على خلفية تصريحات رسمية للرئيس ماكرون ندد فيها  بما أسماه الموقف “المعيب وغير المسؤول” للحكومة الايطالية لرفضها استقبال السفينة اكواريوس التي كانت تقل أكثر من 600 مهاجر قامت بإنقاذهم.

لكن حين يصل الأمر إلى مستوى استدعاء فرنسا لسفيرها في روما للتشاور على خافية استقبال نائب ؤئيس الحكومة الايطالية لبعض قادة حركة السترات الصفراء التي تزعزع سلطة الرئيس ماكرون، فيمكن القول فعلا  أن العلاقات الدبلوماسية المتوترة بين فرنسا و إيطاليا تزداد سوءًا، و الوضع بين البلدين “منهار” بالفعل، و قد يضر بجميع دول الاتحاد الأوروبي و يتسبب في انفراط عقده،و هو الذي لازال لم يخرج بعد من أزمة « البريكسيت » مع بريطانيا.

في اعتقادي أصل الأزمة الدبلوماسية المشتعلة بين ليبيا و فرنسا بالدرجة الأولى تعود إلى ليبيا ، و التنافس الفرنسي الايطالي لكسب مزيد من النفوذ على هذا البلد ليس وليد اليوم،بل يعود إلى مؤتمر السلام الذي عقدته فرنسا آخر العام الماضي في باريس، دون استشارة إيطاليا، بل و تم تجاهلها بالكامل،لعدم رضا الفرنسيين على محاولة روما الانفراد بطرابلس،بحجة حرص إيطاليا على نفوذها التاريخي في ليبيا و مصالحها الاقتصادية فيها.

نحن هنا إذن أمام صراع بين دولتين ايطاليا من جهة التي تعتبر نفسها المستعمر السابق لليبيا و بالتالي أولى بالنفوذ عليها،و من جهة تانية فرنسا التي تقول إنها هي من قادت عمليلت الناتو ضد ليبيا، و اليها يعود الفضل في إسقاط نظام العقيد الليبي الراحل معمر القذافي،و بالتالي تحت هذا الغطاء فهي أولى من ايطاليا بثروات ليبيا.

هذا التنافس الإيطالي الفرنسي المعلن لانتزاع الملف الليبي والانفراد به هو نتاج لإرث تاريخي تحاول هذه الدول إحياءه، بالإضافة إلى بحثهما على إعادة التموضع بخارطة التأثير دوليًا، و نعلم جميها أن محركه الأساسي هو الصراع على مصادر الطاقة والثروات الطبيعية، والرغبة بالهيمنة السياسية والاقتصادية على الضفة الجنوبية لمتوسط وما بعد الصحراء الكبرى.

لييبيا مهمة بنفطها وموقعها الاستراتيجي خاصة بعد أن تحولت إلى نقطة عبور للمهاجرين غير النظاميين نحو أوروبا، ومع مرور الوقت أيضا إلى ملجأ للإرهابيين وعصابات تهريب البشر المستفيدة من حالة الفوضى التي تغرق فيها البلاد منذ الإطاحة بنظام العقيد القذافي.

إيطاليا وفرنسا هما عمليا أكبر القوى المتدخلة في ليبيا، فالرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي يعتبر عراب التدخل العسكري في ليبيا، وهو التدخل الذي اعتبره رئيس الحكومة الإيطالية الأسبق سيلفيو برلسكوني تهديدا لمصالح إيطاليا الاقتصادية والسياسية في هذا البلد، وقد ارتبط برلسكوني بعلاقات صداقة مع الزعيم اللليبي الراحل معمر القذافي.

و بينما تتمسك فرنسا بمصالحها الاستراتيجية في ليبيا، تَعتبر إيطاليا البلد جزءا من نفوذها الجغرافي كقوة مستعمرة سابقة.

الصراع بين البلدين يتخذ وجها له أيضا من خلال المنافسة الشرسة بين شركتي الغاز والنفط التابعتين للبلدين وهما توتال الفرنسية وإيني الإيطالية.

هذا الانقسام في التعامل الدولي مع الأزمة الليبية يأتي على حساب انتظارات الليبيين،فاليوم لا إيطاليا ولا فرنسا ولا غيرهما من الدول يستطيع إيجاد حل نهائي للأزمة الليبية، لأن الحل لابد و أن يأتي من الليبيين أنفسهم، وهذه الدول مهما حدث بينها تبقى مساهمتها محدودة في جر ليبيا نحو بر الأمان. 

لا يمكن التأثير في الوضع الداخلي لدولة يتصارع فيها طرفان واضحان دون دعم احد منهما، كما أن مفهوم الدولة نفسه غائب في ليبيا، والحكومتان المتصارعتان لا سلطة لهما على البلد، إذ تجد عددا كبيرا جدا من القوات والميليشيات والعصابات المتصارعة التي تتغير ولاءاتها ومناطق انتشارها ونفوذها بشكل كبير كل يوم.

ستبقى الأزمة الايطالية الفرنسية مشتعلة بمسميات عدة، الى أن تتوصل باريس و روما لاتفاق لتقاسم الكعكة الليبية،و الشعب الليبي سيبقى الحلقة المفقودة في كل هذه المعادلة ما لم يقف وقفة رجل واحد و يلملم صفوفه و يضع خلافاته جانبا و يوجد صفوفه و ينسى الماضي بما له و ما عليه و ينظر نحو المستقبل.

‎تعليق واحد

  1. د/عبدالله عسكري الشمراني

    يبدو , يا سيدي ان ما كان في الخفاء اصبح في العلن واحتدم الصراع أو لنقل الخلاف بين كل من إيطاليا وفرنسا في ليبيا العربية ..
    ليبيا دولة كبيرة المساحة وقليلة السكان وعظيمة الموارد , والنفط ليس إلا إحداها وكل القوى الكبرى في العالم تريد ان يكون لها نصيب من هذه الثروة القريبة منهم لوجستيا ولذلك اختلفوا على هذه الغنيمة وبات من الصعب إيجاد حكومة موالية لجهة ما قوية ومؤثرة تعمل على إيجاد سلام دائم في هذا البلد الهام ..
    أتذكر قبل حوالي شهر أنني استمعت الى تصريح لوزيرة الدفاع الإيطالية تؤكد فيه أن ليبيا منطقة نفوذ إيطالية خالصة وأن على أمريكا واوربا وروسيا أن تحترم هذه الحقيقة , فإيطاليا – والكلام لها – لم تنافس فرنسا في شمال أفريقيا وغربها ولم تنافس أمريكا في الخليج ولم تنافس روسيا في سوريا ولن تنافسها في محاولة بسط نفوذها في مناطق أخرى ..

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *