البشير الراقص مع الضباع في الدوحة

البشير الراقص مع الضباع في الدوحة

- ‎فيرأي في حدث
113
0

بقلم : أحمد المصري ، كاتب و صحافي فلسطيني

+

منذ بدأت بواكير ثورة الوعي السوداني ضد الطاغية عمر البشير، وأنا أراقب بحذر وتمعن كيف سيكون رد فعل المستبد على تلك الثورة التي تأخرت كثيرا عند هذا الشعب الصبور والطيب والمكافح.

لم يدهشني أبدا خبر زيارته للدوحة، بل ربما توقعت ذلك لأسباب منطقية وموضوعية عديدة أهمها معرفتي بالعلاقة الوثيقة على كل اضطراباتها التاريخية بين نظام البشير و تيار الإخوان المسلمين وهو التيار نفسه الذي تحالف معه البشير قبل ثلاث عقود تقريبا في محاولة منه لوضع أساس “شرعي” بديلا عن فراغ الشرعية الديمقراطية التي انقلب عليها وهو العسكري المتمسك بعصاه الماريشالية، عصا ماريشال لا يستحقها ولم يخض خلال عسكريته حربا واحدة شرعية إلا ضد ناسه وشعبه وفي عهده غير الميمون وبمباركة “إخوانية” انقسمت بلاده إلى نصفين، في حالة انشطارية كشفت حجم الاستبداد وهشاشته في نفس الوقت.

أحمد المصري
أحمد المصري

و السبب الثاني يكمن في أنني صرت أعرف كيف تفكر الدوحة، في عقلها السياسي بالغ التعقيد لكن منصته البسيطة تفكك كل تعقيداته المركبة، فالدوحة وبتلمس بسيط وتتابعي لكل ما تؤيده أو تدعمه هي داعمة لكل ما يخدم مصلحة تيار الإخوان المسلمين بجناحه القرضاوي الذي بات يسيطر بقوة المال والسلطة والدولة على التنظيم العالمي.

المعلومات الراشحة من هنا وهناك، بين لندن فيينا وبعض العواصم العربية ومنها الدوحة نفسها تتحدث عن محاولة حاكم الدوحة بأمر القرضاوي، الشيخ تميم بإقناع البشير بالتنحي عن الحكم مقابل عائد مالي ضخم وانه بالموازاة سيعطيه اقامة في الدوحة مشمولة بضمان قطري يتم العمل عليه بوقف الملاحقة القضائية الدولية بحقه.

هذه الصفقة الكبيرة والمتشابكة والتي تتطلب من الدوحة في حال المضي بها اتصالات دولية وأثمانا باهظة بفواتير على حساب الغاز القطري، ليست مجانية بالطبع، ولا هي لخاطر عيون البشير ولا مهاراته في الرقص مع الضباع التي يتحالف معها في كل حين، بل هي تمهيد لثمن يدفعه البشير نفسه وفي يده لا تزال مفاتيح السلطة في الخرطوم، بتسليم السلطة للتيار الإخواني “الحليف معه” والإبقاء على النظام بجرعة إخوانية زائدة فقط المطلوب الإطاحة به وبرضاه.

في “الجزيرة” التي صار السقوط الإعلامي فيها عنوانا تجاريا يوميا، دار نقاش كما سرب لي زملاء أثق بهم هناك، في أول صحوة الوعي السوداني والأحداث هناك، حيث دار نقاش بين غرف التحرير عن ضرورة نقل أخبار الثورة والقمع وحمل صوت الناس كما هو، بل وهدد بعض المذيعين والمحررين بالاستقالة، فجاءت الأوامر من فوق، بنقل الأحداث والانتفاضة السودانية، وحسب المعلومات فإن المشورة جاءت من “المفكر القومي” العربي عزمي بشارة بأن يكون الرد امام “الحليف السوداني” أن الجزيرة حيادية ولا سلطة عليها، وهو ما اتبعه بشارة في محطته “العربي” اللندنية.

قطر معنية بصفقة ضخمة كتلك، فهي صفقة تحمي مصالحها ومصالح حليفتها الأكبر تركيا، في منطقة البحر الأحمر، وهي تريد حماية آخر الأنظمة التي تحمل ولو “شكليا” الطبيعة العقائدية التي تتواءم مع عقلية التيار الإخواني الهادف إلى تصدير فكر سيد قطب في العالم. لذا قطر ستدعم البشير بالمال كما فعلت مع لبنان وفي غزة… فتلك مصالح لا بد من سقايتها ورفادتها.

الأهم، أن الدوحة وعبر لعبة مركبة ومزدوجة في الاعلام، تحاول وبخبث وذكاء أن تعطي الصورة الانطباعية للولايات المتحدة بانها رجل اطفاء في المنطقة وانها قادرة على ضبط الامور بسهولة.

لقد أصبح “الراقص مع الضباع” عمر حسن البشير عبئا على الإسلاميين في الداخل والخارج وعلى نظامه وما حملة يوسف القرضاوي الأخيرة ضده والتي تجري بالتنسيق مع الإسلاميين بالداخل السوداني الا خير دليل.
الاسلاميون السودانيون الممسكون بمقاليد السلطة يريدون تغيير محدود لا أكثر يطيح بالبشير ويبقي علي النظام والسلطة الحقيقية بيدهم.

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *