ابتسم، فقد شاركت معنا في الكاميرا الخفية ..؟؟!

ابتسم، فقد شاركت معنا في الكاميرا الخفية ..؟؟!

- ‎فيافتتاحية
266
0
بقلم : محمد واموسي ، إعلامي و صحافي

من يشاهد أي برنامج كاميرا خفية في قناة من القنوات التلفزيونية العربية سيخرح بنتيجة واحدة،مفادها أن العنف يسكن عقل الإنسان العربي،من شدة التهويل و التخويف و العنف و الرغبة في بث الرعب في نفسية المشارك فيها و المتفرج عليها،فهل من الممكن أن تكون لدينا برامج لكاميرا خفية غير مستفزة للناس الذين يقعون في مقالبها ؟ هل من الممكن أن تكون مضحكة للمشاهد و لمن أوقعه حضه في شراكها بدل مشاهد الاستفزاز و العنف و الاستغباء ؟ متى تحولت برامج الكاميرا الخفية من محاولات وديعة لرسم البسمة إلى محاولات بغيضة لزرع الخوف و الرعب في الناس؟

و قبل ذلك لما جُل برامج الكاميرا الخفية في العالم العربي، فيها عنف و عدوانية، وقد تلحق أضرارا نفسية و معنوية بالشخصية التي تسقط كضحية في مقالبها،ما لم تكن مفبركة.

مناسبة هذه الأسئلة هو المستوى الذي بلغته الأعمال التلفزيونية خلال شهر رمضان المبارك في كثير من القنوات العربية،فبعد أن كانت برامج المسابقات و الكوميديا و الكاميرا الخفية في رمضان قبل عقود تجمع بين التسلية و التوعية و الاستمتاع، و تشد المشاهد إلى الشاشة،أضحت اليوم مهرجانا لمسابقات تافهة وبرامج كوميديا فارغة و كاميرا خفية مرعبة.

حين كانت الكاميرا الخفية‬⁩ في بدايتها فكرة بسيطة و تلتقط ردات فعل الناس بعفوية كنا نتابعها و نشعر بها، و لكن حين تحولت إلى صناعة ضخمة من الإعداد والتمثيل والصراخ أصبحت سخيفة جدا.

كثير من مشاهد الكاميرا الخفية الرمضانية المعروضة بمختلف القنوات التلفزيونية العربية تنشر ثقافة العنف،و تهين المواطنين و تسمع المشاهدين شاؤوا أو قبلوا كمّا هائلا من السّباب و الشتائم، بل تتعدى ذلك إلى ضرب ضحاياها لبعضهم البعض و الزّوجات لأزواجهنّ و تنتهي كلّ هذه السخافات بضحكة صفراء و عناق متصنّع تحت غطاء “شاركت معنا في الكاميرا الخفية”.

و رغم التحذيرات الذي وجهت لكثير من القنوات التلفزيونية قبيل رمضان من مغبة الإساءة لكرامة الإنسان في برامج الكاميرا الخفية، أو أن تحمل مشاهدها عنفا و خشونة وإساءة للأخلاق، إلا أنّ مختلف القنوات التلفزيونية لم تتوقف عن إنتاج عديد برامج الكاميرا الخفية، وتحت موضوعات مختلفة، لكنها تشترك في استفزاز الضيوف مع ما يراف ذلك من خطابات تحض على الكراهية و العنف.

للأسف جل أعمال الكاميرا الخفية التي قدمتها القنوات العربية هذا العام سقطت في المحظور،فهذه البرامج التي يفترض أن يكون طابعها ترفيهيا، لاسيما في شهر رمضان،تشاركت في الحط من الكرامة الإنسانية، و التحريض علنا من خلال الصور والخطاب، البالغين والأطفال، على العنف،متناسية أن وسائل الإعلام تؤثر بشكل مباشر على النمو النفسي للطفل و توجهه.

للأسف ظلت كثير من سلطات ضبط السمعي البصري في عديد الدول تتفرج، و لم تتدخل لاتخاذ التدابير اللازمة، التي يخولها إياها القانون، من أجل ضمان امتثال كل البرامج للقوانين الجارية، خاصة و أن التمييز و التحريض العلني على التمييز الذي يرتكبه أشخاص طبيعيون أو معنويون باسم الكاميرا الخفية، يعاقب عليه القانون بشكل صارم، خاصة و أن بعض برامج الكاميرا الخفية، تتضمن مشاهد العنف والبذاءة، وتطبعها إساءة للكرامة الإنسانية تحت غطاء ترفيهي أقرب إلى التفاهة.

كل المؤشرات هذا العام أكدت أن جل القنوات التلفزيونية التي اعتمدت العنف فكرة للكاميرا الخفية،كانت تبحث بالدرحة الأولى عن الإثارة لتحقيق نسبة مشاهدة عالية بأي ثمن و لو على حساب إهانة المواطن أو المثقف أو السياسي،لأن الطرق التي اتبعت فيها كان هدفها استفزاز الضحية بأيّ أسلوب وبأية طريقة مع الميل لاستعمال العنف من أجل توليد العنف وترك ردّة فعل الضيف مفتوحة،علما أن هناك بدائل كثيرة للترفيه و لاستفزاز الضحايا بعيدا عن أسلوب العنف و الفوضى التي تطبع المشاهد،خاصة و أنه أحيانا تحدث أشياء لا تخطر على بال المشاهد حين يكون الضحية من الفنانين أو رجال السياسة أو الثقافة أو حتى الرياضة.

غابت الاحترافية تماما لدى معدي هذه البرامج على مستوى الشكل أو المضمون ما أدى إلى تغييب البرامج الترفيهية البسيطة التي تحكمها ضوابط أخلاقية وقانونية ولا تشوه سمعة أيّ جهة،و ظهر أن مستوى برامج الكاميرا الخفية التي تقدم للمشاهد في رمضان ذات مستوى هابط، ويغلب عليها الترويع والإهانة التي يرافقها سب وشتم و تصرفات سلبية تستفز الضيف،فليس بالضرورة أن تقدم للمتلقي الإثارة المبالغ فيها،لأن المثال الناجح في البرامج الغربية وحتى بعض العربية، حيث تكون أحيانا المقالب، مدروسة ومعقولة تقدم خدمة ترفيهية في إطار الأخلاق.

فهل من أجل أن نحصل على نسبة مشاهدة عالية نضرب بأخلاقنا وصورة بعض فنانينا ومبدعينا من المثقفين وحتى البسطاء من العامة ومشاعر المشاهدين عرض الحائط؟”.

ما رأيناه هذا العام و طيلة الشهر الفضيل،يؤكد الحاجة الماسة للرقابة الرسمية على ما يقدم،لذلك و لتفادي العنف و الترويع والمساس بكرامة المشاهد والضيف معا، لابد من حصول هذه الأنواع من البرامج على رخصة بث مسبقة من طرف الهيئات المختصة قبل رمضان المقبل،أي قبل السماح بعرصضها، احتراما للجمهور و لدور المؤسسة الإعلامية في نشر ثقافة سليمة تأخذ بعين الاعتبار حساسية و مكانة المتلقي و تحترم عقلية و نفسية المشاهد قبل كل شيء.

للأسف الشديد برامج الكاميرا الخفيّة اليوم باتت تعكس بكلّ وضوح أزمة المجتمعات العربيّة، وتُعبّر عن مخزون العنف الذي يتغلغل فينا..

يأتون بأحدهم..يشتمونه و يستفزونه..بكلمات لا تمت للاخلاق بصلة الى أن يخرج من إنسانيته فيشتم و يسب بدوره..

و حين يشرع في التمرد و يعلو غضبه..يضحكون ويقولون له نحن نحبك..ابتسم فقد شاركت معنا في الكاميرا الخفية

قمة الإنحطاط و الخواء الفكري..

لقراءة مقالات الكاتب السابقة

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *