الجوع العاطفي

الجوع العاطفي

- ‎فيرأي في حدث
260
0
بقلم : رشا بكر ، كاتبة مصرية

“كم عدد الأشخاص الأذكياء الماهرين الذين يجدون أنفسهم يبحثون عن طرق لفهم سلوك إنساني واضح للغاية ؟”

الجوع العاطفي هو نوع من الشعور الوجداني الذي يدفع إلى أن يسعى الإنسان لكي ينال محبة وعطف المحيطين به، ومهما حاول الآخرون أن يبذلوا كل جهدهم في العطاء والمحبة و الاهتمام فهو يستزيدهم و لا يشبع.

و الجائع عاطفيًّا إنساني مكتئب وقلق و مضطربـ إذا لم يحصل على ما يريد، فمن دأبه أن يبحث عما يسد به هذا الجوع بكل الوسائل، وغالبًا ما يسيء الاختيار.

رشا بكر
رشا بكر

قد يجعل الجوع العاطفي من الفرد شخصًا عدوانيًّا و أنانيًّا يسلك كل السبل للفت الانتباه مَن حوله، وربما باعتماد وسائل لا يرضاها احد، أو حتى دون مراعاة  لظروف الناس و قدرتهم على التجاوب.

يستجدي الجائع عاطفيًّا عواطف الناس، تماما كالطفل الذي يتسول عواطف والدته و يسعى إلى نيلها بلا منازع، وهو يشب على ذلك الحال فيكون دأبه أن يتسول عواطف الناس -وخصوصًا النساء- فكل الناس عنده أم.

و هو إذا لم يجد من الناس ما يرضيه ثار كأنه يثور على والدته، فهو دائمًا يتوقع منهم الكثير و يعرف بالحيلة كيف يبتز كثيرًا منهم و الطرق التي تؤثر فيهم فيمنحونه ما يريد.

و هو مع النساء قد يغريهن بنعومة ألفاظه و معسول كلامه و تجاوبه مع مطالبهن،و منهن مَن يأخذن و ليس عندهن ما يعطيهن، واستجداؤه للعواطف عادةً ما يتم بشكل صامت وربما ينظر اليه الناس كأنه واحد مسكين، و إن تحدث فهو مغلوب على أمره و ضائع يستحق نيل الشفقة و العطف.

و منهم من يجتهد فيسعى لنيل هذا العطف، و يقدم في سبيل ذلك خدمات، وحسه القوي لأمزجة الآخرين يمكِّنه من التقرب إليهم، وخصوصًا مع الذين يصدونه أو يرفضون تقربه، وقد ينالهم منه بعض الأذى المعنوي أو المادي، ولكن القلق الناتج عن هذا الصدّ يدفعه دائمًا نحو التعجيل بالتقرب إليهم.

أحيانا قد تبدو تصرفاته غريبة لا يفهمها المحيطون به، و أحيانا أخرى قد تترتب عليها بعض المشكلات و حتى المآسي.

قد يتطور الأمر إلى بلوغ الجائع عاطفيًّا مرحلة النهم، فهو جائع باستمرار و لا يشبع، و الطمع في السعي نحو البحث عن مزيد من شحذ عواطف الآخرين يتخذ عنده طابعا هستيريا.

أسباب كثيرة تقف دون شك خلف ذلك،منها ترعرع المتسول عاطفيًّا داخل جو من الحرمان العاطفي، أو نشأته داخل بيئة حرم فيها من عاطفة الأم لغياب وجودها،و إن وجدت تكون لم توليه رعايتها و عاطفة الأمومة و انشغالها عنه بأمور حياتية أخرى.

قد يتطور الأمر إلى بلوغ الجائع عاطفيًّا مرحلة النهم، فهو جائع باستمرار و لا يشبع، و الطمع في السعي نحو البحث عن مزيد من شحذ عواطف الآخرين يتخذ عنده طابعا هستيريا.

إن سعي الجائع عاطفيًّا إلى تسول عواطف الآخرين و توسُّل التقرب منهم ليس سوى رغبة في التخلص من الضغوط الداخلية، وكثيرًا ما يُفسَّر من قبل المختصين بمحاولة لتعويض شعور بالأمان غاب طيلة الحياة منذ الطفولة، عندما كانت هدهدة الأم و حنانها مصاحبَين لتناول الطعام.. فالسعي وراء إشباع العاطفة بكل الوسائل المتاحة و غير المتاحة، ما هو في الأصل سوى محاولة بديلة لإشباع حاجة لم تُشبَع سلفًا.

مقالات سابقة للكاتبة رشا بكر

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *