سكيزوفرينيا الجنس و القيم الاجتماعية

سكيزوفرينيا الجنس و القيم الاجتماعية

- ‎فيرأي في حدث
242
0
بقلم : رشا بكر ( كاتبة مصرية)

لم يعد من المُستغرب أننا نعيش في مجتمع يعتقد كل فرد فيه أن نظرته هي الصواب الخالص الذي لا يقبل النقاش أو التعديل، مجتمع يعيش الإنسان فيه بذهنية الماضي و الحاضر معًا، ذلك الماضي الذهبي مع حنين مستمر إلى زمن البطولات و الأمجاد.

عقلية يحتدم فيها الصراع بين التقليد و الحداثة، وما ينتج عن هذا الصراع المحتدم من ارتباك،لدرجة لم يعد معها باستطاعة الفرد أن يعثر لنفسه فيها على موقع قدم. 

صراع داخل الذات و آخر خارجها، فلكي يكون الرجل رجلًا عليه أن يناطح من أجل رؤيته و وجهة نظره ، و بمجرد أن تُثار قضية اجتماعية أو حادث عابر أو فضيحة ألمَّت بإحدى الشخصيات الشهيرة تجد الكل يهب منتفضًا مدافعًا أو مهاجمًا.

رشا بكر
رشا بكر

آراء تعكس على نحو أو آخر قدرًا هائلًا من التعصب، و تنضح بالبُعد الذكوري في التعامل مع الموقف، فعلى سبيل المثال : حتى هذه اللحظة لم تتعدَّ وسائل الاتصال الاجتماعي في عقل الفرد حدود الساحة التي يهرب إليها ملقيًا خلفه أثقاله و همومه، و عيناه متسمرتان أمام الشاشة السحرية يتعدى من خلالها حدود الوقت في تلك المساحة العبثية المرحة و الساخرة أو المأساوية، تستر وراءها رغبة مكبوتة يريد أن يطلق لها العنان في بيئة وهمية وآمنة، فتصير تلك الوسائل شبيهة بملهى ليلي (كازينو) يبحث فيه عن المجون و الخلاعة اللطيفة المصبوغة ببعض الظلال والغموض، ولا يكتمل الملهى إلا بحضور النساء، فهكذا هو تصوره للأمور.

قد يُظهر الفرد منشوراته الورعة على العموم أو حتى البطولية أو أبيات من الشعر و الصور الحالمة، لكن ذلك يظل مجرد غطاء تستتر وراءه رغبات مكبوتة منبعها غياب الإحساس بقيمة الذات، فالذات في هذا المجتمع هي أن تكون رجلًا، ولن تكتمل الرجولة إلا بعدد فتوحاتك و غزواتك الجنسية الخاصة و الاستمتاع بعلاقات جنسية مع نساء مختلفات.

قد تكون وسائل التواصل الاجتماعي وسيلة سهلة لإتمام هذه المهمة والتجارب كثيرة، فقط انزل إلى أرض النزال وجرِّب و أعد أسلحتك و سن أسنانك وصوِّب سهمك تجاه هذه أو تلك أو كلتيهما معًا، العدد الزائد يضيف إلى رصيدك، لكن عليك في آخر المطاف أن تبحث عن الأنثى التي صدَّك جسدها، تلك التي ستحافظ على شرفها وجسدها الذي لا تملك الحق فيه، وتنادي بحقك المشروع في جسد طاهر بمعنى ما تتصوره، وتطلب الضمانة المتمثلة في عذرية أو بكارة.. يا لها من معادلة!

أما في حياته الجنسية المشروعة فهو يتعامل مع مسألة الجنس بنوع من الانتهازية الخطيرة، حيث العلاقة المشروعة محكومة بشروط الحياء، رافضًا أي نقاش من أجل متعة متبادَلَة للطرفين رغم حاجته إلى ذلك، ويبحث في المقابل عن متعة جنسية مع طرف آخر خارج العلاقة الشرعية.. إلا أن فكرة الدين النائمة تستيقظ بقدر الإلحاح الجنسي، فإذا به يتحايل، فالتواصل الاجتماعي يهيئ مناخًا ملائمًا أو شبه ملائم، كما أن عنصر الإثارة الذهنية عليه أقوى تأثيرًا من الإثارة الملموسة.. ولكن كل هذا ينعكس في النهاية على حياته الأسرية على نحو أو آخر.

إن كل هذه الممارسات وتلك الثقافة لا يمكن أن تُحمِّل الذكر المسؤولية، بل إن الثقافة هي التي رسمت حدود الممارسات وجعلت منها قانونًا اجتماعيًّا.

إن الفروق بين الرجال والنساء جاءت نتاجًا لعوامل اجتماعية وموروثات ثقافية صيغت ومورست باقتناع وفق فكر نمطي كرَّسته الأسرة، وعليه فإن مكانة المرأة مهمَّشَة ومتدنية مُختزَلَة في صفتها الأداتية ككومة من اللحم، وقيمة تستمدها من كونها جسدًا، فالجمال اللحمي رأسمال الجسد في الخيال الشعبي، وذلك في مقابل مكانة الرجل السامية المرتفعة، فهو ليس أداة كالمرأة على أية حال.

ينظر المجتمع إلى الرجل بوصفه ذاتًا، أما المرأة فهي مجرد موضوع، وما زالت في أغلب المجتمعات ملكية للرجل، وأية محاولة للاستقلالية أو التحرر من هذا الوضع بمثابة إهدار للملكية واعتداء على حق من الحقوق الثابتة. ولذلك قد يغفر المجتمع زلات الرجل ولا يغفر للأنثى.

لقد عملت قنوات التنشئة الاجتماعية على تمرير هذه القوانين، التي جعلت للأفراد أدوارًا وقوالب جاهزة، وهيأت المناخ الملائم لاستعدادات قبول صياغات و قوالب نمطية و جنوسية حول المذكر والمؤنث في الحياة اليومية.

إننا نتمزق بين الماضي والحاضر، القديم و الجديد، التقاليد التي لا علاقة لها بالدين و لا بانبهارنا بالحداثة. والحق أننا ندَّعي الحداثة باستمرار و ندَّعي دفاعنا عن الحقوق و غير ذلك من المفاهيم الرنانة، لكن يتضح أن هذا لا يتجاوز الشكلانية، وربما حتى نخبنا المثقفة التي تدافع باستماتة عن مطالب الحداثة و احترام المرأة كقيمة غير قابلة للاختزال لا يعملون بتلك المطالب في حياتهم الخاصة، كأن المسألة تتعلق باستعدادات فطرية لقبول هذه الشعارات !

إننا بحاجة إلى إعادة صياغة هذا الواقع المرير، و بحاجة أكثر إلى خلق طفرة أخلاقية تساعدنا لتخطي محنتنا و تُخرجنا من هوة النفاق وانعدام المروءة والانحطاط.

إن التحرش اللفظي سواء كان عبر فضاء إلكتروني أو في واقع معاش يوميًّا ليس منبعه تردي الحالة الاقتصادية ما يحول بين الفرد والزواج، كما أنه ليس ضربًا من التعبير عن الحرمان الجنسي بقدر ما هو ضرب من التعبير عن الضياع و عن القلق و التمرد،امر أشبه بالعبث، أو بالكتابة فوق حوائط الشوارع النظيفة أ و إتلاف المقاعد في المواصلات و الأماكن العامة، إنها صورة من صور العنف و صب جام الغضب، كالنيران التي تتساقط من قمة بركان محموم من الحرمان.

نحن إذن أمام ظاهرة تستحق التدقيق و التحليل من اختصاصيي علوم النفس و الاجتماع و الطب النفسي للخروج من هذه الأزمة، و استخلاص العبر لتوعية المجتمعات و المؤسسات التربوية بمفاهيم صحيحة تساعدنا على تربية نشئ سليم خالٍ من هذه الأمراض.

لقراءة مقالات رشا بكر السابقة

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *