الهويَّات الغاضبة

الهويَّات الغاضبة

- ‎فيرأي في حدث
217
0
واسيني الأعرج، كاتب و أديب جزائري

حدثني شاب صادفته في الحراك الرافض :«بقدر ما أشعر بجزائريتي، فأنا ابن هذه الأرض.. من السهل أن نرمي أنصار العلم الأمازيغي أو المزدوج بالخيانة والعمالة لتدمير الوحدة الوطنية، ونسيان أنه لا وحدة وطنية بلا عدل ولا حرية ولا اعتراف بالحق والخصوصية الثقافية، ثم لماذا تفرض علينا لغة لا علاقة لنا بها؟.. المواطنة حق كامل وغير منقوص».

قد يدفعنا هذا الكلام إلى الرفض الكلي ما دام فيه عدوانية مجانية ضد اللغة العربية مثلا؟، أو تأمله عن قرب، وهو الأصح، فالهوية مكون تاريخي وحضاري وليس قرارا فوقيا.

واسيني الأعرج
واسيني الأعرج

لقد ضيعت الجزائر سنوات طويلة خلقت فيها الفجوات وكثرت العداوات، بل أن معاداة اللغة العربية بوصفها لغة شرقية وافدة، لا علاقة بالطبيعة اللغوية الجزائرية، ليست إلا ردَّات فعل قد تكون نتائجها ثقيلة على مستقبل البلاد، وتنبئ عن جهل حقيقي.

العدو اللغوي العربي، هو عدو افتراضي وغير حقيقي، فهل يمكن تجريد القبائل الصغرى مثلا من بعدها العربي والإسلامي وتاريخ الدولة الناصرية الأندلسية؟ أو من الخط العربي الذي تم به الحفاظ على تراث السي محند أو محند الشعري، رمز الأدبية الأمازيغية، قبل أن يستلمه مولود فرعون ثم معمري، ويكتبان عنه؟، وهل يمكن محو ابن خلدون من الذاكرة الجمعية لأن بجاية شكلت محطة من محطاته الثقافية؟.

صناع النحو العربي ورجال الدين ومنهم الغزالي ومسكويه ـ نسبهما فارسي، هل منعتهما اللغة العربية الحية من أن يكونا أبناء ثقافتهما وزمانهما، وابن ميمون كتب واحدا من أهم كتبه:«دليل الحائرين»، لم يمنعه ذلك من أن يكون يهوديا وعبرانيا، وفي الوقت نفسه عربيا من حيث اللغة والثقافة.

لهذا كثيرا ما تحدثت مع أصدقائي عن العدو الحقيقي الذي افترض مجتمعا وضعه على مقاسه، ومنع شرائح واسعة للتعبير عن ثقافتها وعن لغتها مما ولد هذا الرفض، لهذا سادت التطرفات ومنها الحركة الانفصالية«ماك» (حركة استقلال القبائل).

أخطاء النظام كبيرة وقاتلة عبر التاريخ الوطني، ولكنه خطأ الحركات القومية كلها.. الخيبات تدفع إلى اليأس القاتل، والتطرف ليس عن قناعة ولكن عن أرادة انتقامية ضد نظام ظالم.

لهذا المطلوب من النظام الحالي أو ما تبقى منه، أن يحذر جدا من الممارسات القمعية التي بدأت تلوح في الأفق والمحاكمات والاعتقالات بسبب رفع الراية الأمازيغية، إلا إذا كان من مصلحته الوجودية العمل على إذكاء الفوضى التي لن تكون إلا خرابا حقيقيا على بلاد تنام على برميل من البارود.

كل ما يحدث اليوم في مسألة الهوية ليس إلا انعكاسات لوضع تُرك للتعقد وأصبح اليوم خطرا حقيقيا على البلاد كما عرفناها منذ الاستقلال.. المخاطر الزاحفة كبيرة ولا تحصى، والعداوات التي تكبر في الظل شديدة الخطورة، إذا لم يتم احتواءها بشكل عقلاني وخلاق.

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *