جاك شيراك

جاك شيراك

- ‎فياسم في الأخبار, في الواجهة
165
0

كان الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك الذي توفي عن عمر يناهز 86 عامًا، احدى أبرز شخصيات اليمين الفرنسي، وأثبت طوال عمره، بين النجاحات الرائعة والإخفاقات المريرة، قدرة استثنائية على النهوض من جديد.

توفي الرجل الذي كان رئيسًا لمدة 12 عامًا، و تولى رئاسة الوزراء مرتين ورئاسة بلدية باريس ثلاث مرات، وأسس حزبا، وتولى عدة مناصب وزارية، “وسط عائلته بسلام”، كما قال صهره فريريك سالا بارو، زوج ابنته كلود. لم يظهر شيراك في مكان عام منذ خمس سنوات بسبب المشكلات الصحية التي أقعدت الرجل الذي عرفته الساحة السياسية الفرنسية ممتلئاً بالطاقة والحيوية منذ أوائل ستينات القرن المنصرم، لكن شعبيته تراجعت خلال ولايته الثانية وكان أول رئيس فرنسي سابق يصدر بحقه حكم قضائي (في عام 2011)،و مع ذلك حظي بعد تقاعده بالتعاطف.

كان براغماتياً بعيدًا من الأيديولوجيات وأسس في عام 1976 حزب التجمع من أجل الجمهورية في حين كان يحلم بأن يكون وريثاً للديغولية، لكنه كان يعد نفسه قبل كل شيء من اتباع الرئيس السابق جورج بومبيدو.

الرئيس الفرنسي السابق و الراحل جاك شيراك
الرئيس الفرنسي السابق و الراحل جاك شيراك

و بين إيمانه بالليبرالية وبالسلطة العامة وسياسته المحافظة جسد توليفة لتيارات اليمين الفرنسي. سيبقى شيراك الرئيس الذي قال “لا” للحرب الثانية على العراق، وأنهى التجنيد العسكري واعترف بمسؤولية الدولة الفرنسية في الجرائم النازية وانتقل إلى ولاية من خمس سنوات، وأطلق صيحة إنذار في مواجهة تدهور بيئة العالم. ولكنه أثار أيضاً جدلًا حادًا بشأن استئناف التجارب النووية، وحل الجمعية الوطنية، وقال “لا” مدوية للاستفتاء الدستوري الأوروبي لعام 2005، ثم اتُهم بأنه يفتقد المبادرة حتى أن نيكولا ساركوزي وصفه “بالملك الكسول” وفي عهده تضخم العجز وارتفعت البطالة.

لكن الرجل الذي كان يشعر بالارتياح وسط الحشود الشعبية، كان يشاد بإنسانيته وتعاطفه وبساطته، وعُرف بشهيته للأطباق الفرنسية، ولثقافته الرفيعة ونسجه صداقات مع مليارديرات أقوياء مثل اللبناني رفيق الحريري الذي استضافه بعد مغادرة القصر الرئاسي.

– الاليزيه، حلم عمر –

كان شيراك أول رئيس لبلدية لباريس لدى إنشاء هذا المنصب في عام 1977، وادار شؤون العاصمة لمدة 18 عاما، مؤججاً الاتهامات ضده بالمحسوبية والفساد، ثم نجح الابن الوحيد في دخول الإليزيه بعد هزيمتين (1981 و1988) ضد الاشتراكي فرانسوا ميتران، ثم فاز في محاولته الثالثة ليهزم الاشتراكي ليونيل جوسبان في 1995،و بعد عامين، ارتكب خطأً سياسياً كبيراً بحل الجمعية الوطنية لمحاولة الحصول على الأغلبية.

في النهاية، أمضى ما تبقى من فترة ولايته التي استمرت سبع سنوات متعايشاً مع ليونيل جوسبان بعدما أجبر على تعيينه رئيساً للوزراء.

في عام 2002، حصل تطور جديد ووقف شيراك الذي وصفه خصمه جوسبان بانه “متعب ومنهك” في مواجهة جان ماري لوبن زعيم الجبهة الوطنية اليمينية المتطرفة، فحصل على نسبة أصوات قياسية بلغت82.21%.

– شيراك المقاتل –

قبل رئاسة بلدية باريس ورئاسة الوزراء، شغل مناصب سياسية لا حصر لها كوزير للزراعة وللداخلية وكنائب أوروبي، ونائب فرنسي… وخاض معارك لا تحصى خلال توليه رئاسة الوزراء مرتين قدم في إحداهما استقالته إلى فاليري جيسكار ديستان في 1976.

و كان أول رئيس وزراء يوقع في عام 1976 مرسوم لم شمل الأسرة الذي يسمح لأجنبي غير أوروبي مقيم قانونيًا بإحضار عائلته.

في عام 2007، بعد أن أصابه الوهن جراء سكتة دماغية أصابته قبل ذلك بعامين، شاهد فوز نيكولا ساركوزي بمنصب الرئيس.

و حال مرضه دون حضوره محاكمته في إجراء غير مسبوق لرئيس سابق في قضية وظائف وهمية في بلدية باريس استمرت أعواماً. وقل ظهوره العام بعد أن بات يعاني من “فقدان الذاكرة”، وخف سمعه وبات يسير بصعوبة.

و ناهيك عن صورة الرجل الوسيم المفعم بالحيوية والمحب للحياة وللقاءات الشعبية، امتدح فيه أعداؤه براعته السياسية وقدرته على الوصول إلى أعلى المناصب ولكنهم وجدوا أن أداءه كان مؤسفاً.

أما أصدقاؤه فاثنوا على تعاطفه مع الآخرين وعلى جاذبيته وسعة اطلاعه.

كان شيراك أباً يعشق ابنتيه، لورانس الكبرى التي أصيبت بالأنوركسيا، والثانية كلود خبيرة الاتصالات التي ظلت معه وانجبت له حفيداً اسمه مارتان.

كان في أي حال شخصية أكثر تعقيدًا من الصورة الظاهرة عنه: خبير بشؤون آسيا، وعاشق لليابان (خبير بالسومو) و يتحدث الروسية، محترف في حوار الثقافات الذي يجسده المتحف الذي يحمل اسمه على رصيف برانلي المطل على نهر السين في باريس، ويضم قطعاً من “الفنون القديمة” التي كان مولعاً بها.

كتب مذكراته في مجلدين حمل أولهما عنوان: “كل خطوة يجب أن تكون هدفا”.

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *