تونس في برزخ الديمقراطية

تونس في برزخ الديمقراطية

- ‎فيرأي في حدث
214
0
عبد الرحمان شلقم ،دبلوماسي و وزير ليبي سابق

تنتقل تونس من انتخاب إلى آخر،و من مناظرة إلى أخرى، و بين كل منها برزخ يتسع ويضيق. الانتخابات الرئاسية تداعى لها عشرات، والبرلمانية آلاف، كانت الأسماء في الخضمين لوحة صراع تداخلت فيها ألوان الماضي والحاضر، وبينهما علامات استفهام وتعجب وتعرجات المجهول.

في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية تهاوت أسماء كانت تمتلك أوراق وأقلام وكراسي القرار، تساندها أحزاب معروفة، لها وجود قديم أو حديث. غادر حلبة السباق منذ الجولة الأولى يوسف الشاهد رئيس الحكومة وزعيم حزب «تحيا تونس»، ورحل معه رئيس حكومة سابق، هو المهدي جمعة، وعدد من الوزراء السابقين، أما المنصف المرزوقي أول رئيس للجمهورية بعد الثورة فلم ينل حتى دوي السقوط.

عبد الرحمان شلقم
عبد الرحمان شلقم

تقدم إلى الجولة الثانية والنهائية اسمان، لكل منهما وهج المفاجأة، خسرت في الجولة الأولى شخصيات لها وزنها الحزبي والسياسي، بينهم عبد الكريم الزبيدي وزير الدفاع وأحد رموز حزب «نداء تونس».

صعد إلى الجولة الختامية قيس سعيّد أستاذ القانون الذي لم يسبق له أن تبوأ مركزاً سياسياً، فهو جديد في كل شيء، في السمت والمشروع واللغة والمكان والمكانة، كل نظر إليه من الزاوية التي ترسمها الرغبات الكامنة في مستقبل جديد واعد تحكمه ضوابط القيم الاجتماعية والدينية وحكمة الأب الأستاذ.

ليس من خلفه حزب يسانده أو مال يملأ به ساحات الإشهار متعدد الألوان والوعود أو قنوات تلفزيونية وصحف. صعد معه إلى حلبة الفصل الأخير شخصية من صنف وتصنيف مختلف، بل مخالف، هو رجل الأعمال نبيل القروي زعيم حزب «قلب تونس»، الذي يمتلك صوتاً مسموعاً ومرئياً، قناة «نسمة» التي لها جمهور عريض في كل أرجاء البلاد، بل خارجها، عرفه الفقراء عبر جمعيته الخيرية التي وصلت إلى أحيائهم وقراهم، تقدم المساعدة للطلبة والمرضى والمحتاجين، له علاقة بدنيا المال والأعمال في داخل تونس وخارجها، ويُحسب على المنظومة السياسية القديمة. كانت المفارقة لوناً مُضافاً إلى تكوينه العام، وهي إدخاله إلى المعتقل في خضم الحملة الانتخابية الرئاسية بتهم التهرب الضريبي وغسل الأموال وغيرها.

الانتخابات البرلمانية كانت أكثر صخباً في كل شيء، في عدد القوائم الانتخابية والشخصيات المترشحة، وكذلك البرامج التي تقدمت بها القوائم المتنافسة. اختلفت البرامج بقدر ما تشابهت، ولكنها تقاسمت الشعارات التي لا تخلو من الوعود الرغبوية.

نحو 20 قائمة انتخابية نالت أصواتاً تراوحت بين الحصول على عشرات المقاعد ومقعد واحد. النتائج النهائية تطرح أسئلة كثيرة، فمجلس النواب الجديد ليس به حزب لديه أغلبية تؤهله لتشكيل حكومة، بل لن يتمكن حزبان من ذلك. والمعضلة الكبرى أن الأحزاب والقوائم التي حصدت أكثر المقاعد لا يوجد بينها تناغم في البرامج والخلفيات الآيديولوجية. حزب «النهضة»الإسلامي الذي جاء في الترتيب الأول وحصل على 52 مقعداً أعلن مبكراً دعمه للمرشح الرئاسي قيس سعيّد، ومعارضته للمرشح نبيل القروي الذي حصل حزبه «قلب تونس» على 38 مقعداً في الترتيب الثاني.

مجلس نواب الشعب التونسي المكون من 217 نائباً، الأغلبية المطلقة فيه 109 مقاعد، وهي المطلوبة لتشكيل الحكومة ومنحها الثقة.

الحزبان الأولان بينهما ما صنع حداد المال والسياسة والخلفيات الفكرية، وكذلك الاعتبارات الشخصية، حتى لو افترضنا جدلاً أنهما قد يتوصلان إلى صفقة، فلن يتمكنا من تحقيق النسبة المطلوبة في داخل مجلس النواب لتشكيل حكومة، عكس ما حدث بين «النهضة» و «نداء تونس» بعد انتخابات 2014 حيث امتلك الحزبان أغلبية مريحة داخل مجلس النواب. الحزب الثالث في الانتخابات، وهو التيار الديمقراطي الذي حصل على 22 صوتاً، يستطيع أن يكون الرقم الساخن في حالة تحقيق صفقة شبه مستحيلة بين «النهضة» و«قلب تونس»، هذا التيار لم يحدد خياراته الحكومية.

الحزب الرابع، «ائتلاف الكرامة» الحاصل على 21 صوتاً له أهمية يعتد بها، فهو قريب آيديولوجياً من حزب «النهضة»، ويضم ثلة من السلفيين، وله تأثير محسوب، ولكن ليس حاسماً في تشكيل الحكومة العتيدة.

جملة من التغيرات والمفارقات برزت في الانتخابات البرلمانية التونسية، أولها الغياب شبه التام لحزب «نداء تونس» الذي حكم البلاد في السنوات الماضية مع حزب «النهضة»، لقد رحل «نداء» الراحل الباجي قايد السبسي شخصياً وقد رحلت معه وجوه سياسية بارزة، كان لها الدور الكبير في الساحة السياسية التونسية، وتقدم حزب قديم جديد هو «الحزب الحر الدستوري»، بقيادة المحامية عبير الموسى، الذي حصد 17 صوتاً، وقد أعلنت زعيمته أنها لن تتحالف مع حزب «الإخوان المسلمين»، وتعني به حزب «النهضة»، وهي تمثل بقايا حزب الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي.

مجلس النواب، والحكومة التي سيشكلها، سيكونان أمام إكراهات ومسؤوليات جسيمة، أولها الوضع الاقتصادي متعدد الأزمات، وخاصة البطالة وارتفاع الأسعار وتراجع قيمة الدينار وارتباك قطاع الخدمات.

السؤال، هل هناك أمل في ولادة حكومة ائتلافية قوية قادرة على مواجهة تلك الاستحقاقات من برلمان فسيفسائي متشظٍ؟ ذاك احتمال بعيد، وفقاً لنتائج الانتخابات البرلمانية، لكن يبقى احتمال ضعيف، هو أن يتمكن رئيس الجمهورية القادم من نظم مسبحة متعددة الألوان من العقيق الحزبي، تكون القاطرة التنفيذية نحو مرحلة غاية في التعقيد.

ما لم يكن ذلك، فإن العودة إلى صناديق الاقتراع ستكون الخيار الذي لا مفر منه، وإن كرهه المواطنون المتلهفون لرؤية رافعة قوية للبلاد من حفر الاختناق. لكنه رغم كل ذلك فإن تونس قد حققت خطوة غير مسبوقة في المنطقة لعبور برزخ الديمقراطية الوليدة، في عملية حضارية سادها الأمن والشفافية والكفاءة القانونية. لقد عبّر الجميع عن إرادتهم، العازفون عن المشاركة في الانتخابات، والذين وضعوا أوراقاً بيضاء، حتى أولئك الذين ألغيت أوراق أصواتهم.

الديمقراطية الحقيقية مولود عربي جديد، ولكل ولادة ألم، وتونس برزخ إلى القادم.

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *