هل يدخل أردوغان مصيدة ليبيا بقدميه ؟

هل يدخل أردوغان مصيدة ليبيا بقدميه ؟

- ‎فيافتتاحية
615
0
محمد واموسي،كاتب صحافي و إعلامي

لم تهدأ بعد زوبعة العملية العسكرية التي شنتها القوات التركية داخل سوريا،و التي احتلت بموجبها مساحة واسعة من الأراضي السورية بطول 120 كيلومترا و عمق حوالي 30 كيلومترا من بلدة راس العين حتى بلدة تل أبيض،حتى تفتحت شهية رئيسها أردوغان لابتلاع المزيد،فأدار بصره نحو منطقة المغرب العربي شمال افريقيا هذه المرة،و شرع في التلويج بإرسال قوات تركية لاحتلال عاصمتها طرابلس بحجة منع الجيش الوطني الليبي الذي يقوده المشير خليفة حفتر من دخولها.

كثيرون لا يعرفون أن جميع العائدات المالية للنفط الليبي تذهب بشكل حصري إلى حكومة السراج غير الشعبية و مليشياتها، رغم أنها لا تسيطر سوى على 10 في المائة من ليبيا،بينما الحكومة الليبية المؤقتة التي تسيطر على 90 في المائة من الأراضي الليبية و تقع تحت سلطاتها جميع مواقع الآبار النفطية لا تستفيد فلسا واحدا من مداخيلها،و السبب هو أن الأمم المتحدة  هي من يشرف على عملية تسويق البترول الليبي منذ اتفاق الصخيرات و جميع عائداته المالية تسملها إلى حكومة طرابلس بموجب الاتفاق.

و رغم هذا الوضع الشاذ الذي يصب في كفة إخوان ليبيا المدعومين من أردوغان سرع الأخير من خططه لاحتلال العاصمة الليبية رغما عن إرادة الشعب الليبي الذي خرج في مظاهرات ضد أطماعه، و متحججا بطلب في الموضوع تقدم به السراج الذي يدعمه بالعتاد و السلاح و بغارات الطائرات التركية المسيرة  لمنع تقدم الجيش نحوه.

و لتمهيد الطريق لوضع يده على الثروات النفطية لليبيا،سارع أردوغان إلى توقيع أغرب اتفاق لترسيم الحدود البحرية في العالم مع حكومة لا تتمتع بأي شرعية شعبية و حدود نفوذها لا يتجاوز أبواب طرابلس و مدعومة عسكريا من بلاده و من قطر،رغم أن ليبيا لا تربطها أصلا أي حدود مع تركيا حتى ترسم حدودا بحرية معها.

محمد واموسي
محمد واموسي

و في مواجهة عاصفة انتقادات ليبية و أوروبية رافضة للاتفاق،برر أردوغان أطماعه  بالقول إنه يهدف لحماية حقوق حكومة الميليشيات في طرابلس و يتماشى مع القانون الدولي،و سيسمح لتركيا و ليبيا بتنفيذ عمليات تنقيب مشتركة في المنطقة.

أقر أردوغان إذن علنا بأطماعه المخطط لها عن سبق إصرار و ترصد، و هذا ما عبر عنه بوضوح ياسين أقطاي مستشاره لشؤون العالم العربي حين قال في تصريحات لقناة “التناصح” إن “ليبيا باتت تحت مسؤولية تركيا”، بموجب مذكرة التفاهم التي وقعها الرئيس التركي ورئيس حكومة الوفاق فائز السراج.

واضح جدا أن لعاب أردوغان لا يسيل فقط للثروات النفطية و المالية في ليبيا،و إنها أيضا لما تكتنزه سواحلها من ثروات في مجال الغاز،فقد أشعلت دراسات أمريكية  مطامع دول كثيرة أولها تركيا،حين كشفت عن وجود ثروات تقدر بأكثر من 120 تريليون قدم مكعبة من الغاز الطبيعي، و ما لا يقل عن ملياري برميل من النفط على طول حوض البحر الأبيض المتوسط الذي تمتلك ليبيا فيه أطول ساحل بين الدول المطلة عليه بمسافة تبلغ نحو 1955 كيلومتر.

و لفتح الطريق أمام مطامعه في ثروات ليبيا و أراضيها و كنوزها و ما يخبئه باطنها،سوق أردوغان لنفسه كمنقذ لحكومة طرابلس و مليشياتها،فاجتمع  للمرة الثانية في ثلاثة أسابيع  في طرابلس برئيس حكومة الوفاق فايز السراج،بالتزامن مع تلويحه المتكرر بإرسال قوات تركية إلى ليبيا لدعمه.

و جن جنون أردوغان أكثر حين بعثر المشير خليفة حفتر قائد الجيش الوطني الليبي أوراقه،بإطلاقه ساعة الصفر لتحرير العاصمة من المليشيات و العصابات الخارجة عن القانون،فتقدم الجيش بشكل كبير وصل حد تطويق العاصمة و التوغل داخلها،ما جعل جحا أنقرة يفقد البوصلة و يعلن استعداده إرسال قوات عسكرية لدعم حكومة السراج و ميليشياتها.

أما في أوروبا التي تتابع عن كثب تطورات الوضع الليبي ،فقد تصاعد القلق حول التحركات التركية المريبة نحو ليبيا،فعقد قادة الاتحاد الأوروبي في بروكسل،و على مدى يومين قمة لبحث الأزمة مع تركيا و تطورات الملف الليبي،معربين عن رفضهم للاتفاق بين تركيا و حكومة طرابلس لترسيم الحدود البحرية،و وصفوه بأن لا قيمة قانونية له.

و دخلت الأمم المتحدة على خط الأزمة باتهامها تركيا بخرق حظر الأسلحة المفروض على ليبيا من قبلها،و مع ذلك صم أردوغان أذنيه معلنًا تصميمه على دخول المستنقع الليبي للظفر بنصيبه من الكعكة،من خلال التشكيك في شرعية الجيش الوطني الليبي تارة ،أو تكرار تصريحاته التي يهدد و يعربد فيها بأنه لن يسمح لطرابلس بأن تصبح تحت سيطرة الليبيين الذين يريدون تطهير عاصمة بلادهم من الميليشيات و العصابات الخارجة عن القانون و الإرهابيين.

و ازدادت الأمور تعقيدا أمام اردوغان بطرد اليونان سفير طرابلس لديها من أثينا،و سحب اعترافها الدولي بحكومة السراج، و قلبها للموازين  من خلال اعترافها بالحكومة الليبية المؤقتة المنتخبة من البرلمان الموحد في ليبيا و اعتبارها ممثلا شرعيا و وحيدا للشعب الليبي.

و لم تقف الأمور عند هذا الحد بل حركت الحكومة اليونانية 38 طائرة مقاتلة من أسطولها الحربي لتقوم بطلعة جوية مفاجئة بعدما رصدت تحركات مشبوهة ل18 مقاتلة تركية من نوع “إف 16” فوق بحر إيجة إضافة إلى قاذفتي صواريخ من طراز “ترمينيتور إف-4إي” ،فأجبرتها على العودة أدراجها .

 

و حركت فرنسا و إيطاليا و ألمانيا و اليونان و قبرص دوريات مشتركة لبوارجها الحربية في مياه المتوسط لاعتراض أي سفن حربية تركية تتوجه نحو السواحل الليبية أو تنقل شحنات أسلحة إلى طرابلس،بالتزامن مع حدوث شبه انقلاب في المواقف الأوروبية التي باتت لا تخفي دعمها للعملية العسكرية للحكومة الليبية المؤقتة في بنغازي و الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر،خاصة بعد أن تبين للأوروبيين أن اتساع بؤر الإرهاب في طرابلس يهدد أمنهم القومي،و أن جميع المهاجرين الأفارقة القادمين اليهم  نحو أوروبا عبر قوارب خشبية ينطلقون إليها من سواحل طرابلس بعد دفع أموال للمليشيات التي تنظم لهم عمليات الهجرة و تتاجر في مآسيهم ،بينما في المقابل لم تسجل و لو حالة هجرة واحدة من السواحل الخاضعة لسيطرة الجيش الوطني الليبي.

و في انتظار ما تخفيه الأيام المقبلة بشأن الأطماع التركية المعلنة في ليبيا،يراقب الأوروبيون عن كثب حماقات أردوغان و محاولاته التسلل نحو أراضي جارهم المتوسطي الجنوبي، فهم يعلمون جيدا أنه لا يريد الإستقرار لليبيا، و أنه يحشر أنفه في شؤون الليبيين ،فقط لوقف زحف الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير  خليفة حفتر على طرابلس لتطهيرها من المليشيات،حتى يضع يده على ثروات الليبيين أولا، ثم يبتز الدول الأوروبية بالهجرة غير شرعية و العصابات و فوضى السلاح تانيا، تماما كما يبتزهم بملف اللاجئين السوريين.

أردوغان يعلم جيدا أن حكومة طرابلس التي تعترف بها الأمم المتحدة منذ توقيع اتفاق الصخيرات إلى زوال،بعد تآكل شرعيتها داخليًا و فشلها في تجريد الميلشيات من سلاحها،،في وقت تصارع فيه الحكومة الليبية المؤقتة بإمكانيات محدودة لاستعادة هيبة الدولة و بناء المؤسسات و بسط القانون و تجريد المليشيات من السلاح و وضعه في يده الجيش،فلم يجد مناسبة أحسن من هذه لتنفيذ مشروعه العثماني بإنشاء قاعدة عسكرية على الأراضي الليبية تماما كما فعل في قطر، لعله يضع له موطئ قدم في جنوب بحر المتوسط يزعج به أوروبا، و يفاوض به روسيا و يساومها في ملف دعمها السياسي للمشير حفتر مقابل الحصول على تنازلات منها في سوريا.
أردوغان إذن يريد إدخال ليبيا نفق “سوريا” المظلم و الهدف النفط و الغاز و ابتزاز أوروبا،لكنه بذلك يضع نفسه في مواجهة مباشرة مع الاتحاد الافريقي والاتحاد الأوروبي و الدول العربية المجاورة لليبيا،و بالأخص مع الأوروبيين الذين يراقبون تحركاته و أطماعه بهدوء و ينتظرون منه فقط أن يدخل المصيدة بقدميه،فهل يفعل ؟

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *