قابوس بن سعيد

قابوس بن سعيد

- ‎فياسم في الأخبار
490
0

السلطان قابوس بن سعيد، الذي توفي في وقت متأخر يوم الجمعة، انتقل بسلطنة عمان خلال حكمه الذي استمر 49 عاما من دولة شديدة الفقر يمزقها الانشقاق إلى دولة مزدهرة ووسيط موثوق به دوليا في بعض القضايا الشائكة بالمنطقة.

صار قائد عمان الراحل سلطانا في يوليو تموز عام 1970 بعد خلع والده في انقلاب أبيض استهدف إنهاء عزلة البلاد و استخدام عوائدها النفطية في التحديث والتنمية.

لم يعلن قابوس على الملأ قط من يرشحه خليفة له، لكنه سجل اختياره سرا و وضع الاسم في خطاب مغلق يُفتح في حالة اختلاف العائلة الحاكمة على اختيار الخليفة.

و قال في مقابلة أجريت عام 1997 إنه كتب بالفعل اسمين بترتيب تنازلي و وضعهما في مظروفين مغلقين في منطقتين مختلفتين.

و قال التلفزيون الرسمي إن ابن عمه هيثم بن طارق لن سعيد اختير سلطانابعد أن دعا مجلس الدفاع الأعلى العائلة الحاكمة لاختيار خليفة.

السلطان الراحل قابوس بن سعيد..نصانع نهضة سلطنة عُمان وقائد دبلوماسيتها
السلطان الراحل قابوس بن سعيد..نصانع نهضة سلطنة عُمان وقائد دبلوماسيتها الهادئة

و جاء في بيان للمجلس أن العائلة اتبعت وصية السلطان قابوس المكتوبة إيمانا منها بحكمته وسلامة رؤيته.

و لم يرد في أي من وسائل الإعلام سبب للوفاة غير أن مصادر طبية في بلجيكا حيث كان يعالج قالت إنه كان مصابا بسرطان القولون.

و كانت صحة السلطان قابوس الذي هيمن على صنع القرار في الدولة الخليجية على مدى عقود معتلة منذ سنوات و سافر إلى بلجيكا في ديسمبر كانون الأول للعلاج.

و قال سايمون هندرسون مدير برنامج برنشتاين حول الخليج وسياسات الطاقة في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى “ربما يتمثل الخطر العاجل في أن اللاعبين الإقليميين قد يحاولون التأثير على نتيجة الخلافة أو القائد الجديد المختار”.

و أضاف “الإمارات لها مصلحة، و كذلك السعودية، أما إيران فمن المرجح أن تكون انتهازية في كيفية لعب الورق”.

و يخشى محللون من خلاف في الأسرة الحاكمة و تجدد التنافس بين القبائل و تزعزع الاستقرار السياسي بعد اختيار حاكم جديد في وقت تقلد فيه صقور شبان السلطة في السعودية والإمارات.

و تمكن السلطان قابوس من رأب صدوع قديمة في دولة ظلت منقسمة طويلا بين الداخل الذي تسكنه قبائل محافظة والمنطقة الساحلية المنفتحة على الخارج.

و عُرف بين شعبه بصانع النهضة بعد أن استثمر مليارات الدولارات من العائدات النفطية في البنية الأساسية و في بناء أحد أفضل الجيوش تدريبا في المنطقة.

مراسيم تشييع جنازة سلطان عمان قابوس بن سعيد إلى مثواه الأخير
مراسيم تشييع جنازة سلطان عمان قابوس بن سعيد إلى مثواه الأخير

و في حين أن السلطان قابوس لم يكن ليسمح بانشقاق في الداخل فقد انتهج سياسة خارجية مستقلة، ولم يأخذ جانبا في صراع النفوذ بين السعودية وإيران أو في خلاف دول خليجية مع قطر أو حتى في العلاقات مع إسرائيل.

و احتفظت مسقط بالعلاقات مع كل من بغداد و طهران خلال الحرب الإيرانية العراقية التي استمرت من عام 1980 حتى عام 1988 كما احتفظت بالعلاقات مع كل من الولايات المتحدة وإيران بعد قطع العلاقات الدبلوماسية بينهما عام 1979، و دعا قابوس رئيس الحكومة الاسرائيلية إلى قصره في زيارة مفاجئة.

و ساعدت سلطنة عمان في جهود وساطة خلال محادثات سرية بين الولايات المتحدة وإيران في عام 2013 أدت إلى الاتفاق النووي التاريخي الذي تم توقيعه بعد ذلك بعامين.

اجتمع السلطان قابوس مع رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو في أكتوبر تشرين الأول عام 2018 خلال زيارة نادرة للسلطنة.

و في حين قامت دول خليجية أخرى بمفاتحات تجاه إسرائيل، لم يجتمع أي من قادتها مع نتنياهو.

انقلاب قابوس ضد حكم والده

كان السلطان قابوس الحاكم الثامن من أبناء أسرة آل سعيد التي تحكم البلاد منذ عام 1744، وهو من مواليد 18 نوفمبر تشرين الثاني عام 1940 في ظفار.

في عام 1958 توجه إلى بريطانيا ليكمل تعليمه مما أسهم في تقوية العلاقات بين البريطانيين و الأسرة العمانية الحاكمة.

درس لمدة عامين في الأكاديمية العسكرية الملكية في ساندهيرست و خدم لمدة ستة أشهر في الجيش البريطاني في ألمانيا و عاد إلى إنجلترا عام 1962 لدراسة الحكم المحلي.

من عام 1964 إلى عام 1970 لم تكن حركته لتتجاوز القصر السلطاني في صلالة و حُرم من القيام بأي دور في إدارة السلطنة، فلم يعد راضيا عن الأساليب التي ينتهجها والده و بات مرتابا في قدرة الجيش على هزيمة متمردي ظفار.

و عندما بدأت الصادرات النفطية في عام 1967 كان السلطان سعيد الذي اعتاد على القيود المالية الشديدة مترددا في الإنفاق على التنمية.

و ساعدت بريطانيا التي كان لها نفوذ كبير على حكام الخليج قابوس على خلع والده في انقلاب قصر يوم 23 يوليو تموز عام 1970.

و أُرغم السلطان سعيد على التنازل عن الحكم بعد قدر من المقاومة و قضى العامين الأخيرين من عمره في المنفى بإنجلترا.

ورث السلطان الجديد الذي كان في الثلاثين من عمره في ذلك الوقت دولة تفتقر للكثير من البنية الأساسية و من الإداريين المهرة و تخلو من المؤسسات الحكومية الأساسية.

و رسخ السلطان قابوس بالتدريج سلطته من خلال تقلد مناصب رئيس الوزراء وتولي المسؤولية عن وزارات المالية والدفاع والشؤون الخارجية.

حارب قابوس متمردي ظفار بمساعدة بريطانيا و الأردن و إيران، ومن خلال الانتصارات العسكرية وعرض وظائف بالدولة على زعماء المتمردين، قضى قابوس على التمرد في غضون ست سنوات من تقلده السلطة.

و لفتت الثورة الإسلامية التي قامت في إيران عام 1979 انتباه السلطان قابوس إلى مضيق هرمز الذي تمر منه قرابة 20 في المئة من إمدادات النفط العالمية.

و تعهد بأن يبقى المضيق مفتوحا، و في عام 1980 وقع اتفاقا يسمح للقوات الأمريكية باستخدام منشت عمانية في حالات الطوارئ.

و في عام 1981 بدأ السلطان قابوس في توسيع المشاركة السياسية و أجريت انتخابات حرة لمجلس استشاري في 2003.

  سلطة كاريزمية

عندما بدأت احتجاجات الربيع العربي في تهديد زعماء عرب وأطاحت ببعضهم في عام 2011، تنبه السلطان قابوس للأمر ونزع فتيل القنبلة المحتملة في بلاده إثر اندلاع احتجاجات في السلطنة و أطلق وعودا بتوفير فرص عمل وإجراء إصلاحات.

و أعفى السلطان قابوس أكثر من ثلث الوزراء من مناصبهم وأتاح آلاف الوظائف في القطاع العام وقدم حصصا مالية للعاطلين  شملت ربع العمانيين وفق صندوق النقد الدولي.

و مع ذلك لا تزال التحديات الداخلية ماثلة في وقت يوجد فيه معدل بطالة مرتفع ويزيد اعتماد الدولة على الاقتراض الخارجي مع انخفاض أسعار النفط مما دفع الوضع الائتماني للبلاد لمرتبة سيئة.

و قال كريستيان كوتس أولريكسن من معهد بيكر بجامعة رايس بولاية تكساس  “السلطان قابوس كان يتمتع بتلك السلطة الكاريزمية، وصار مرادفا لعمان كدولة حديثة على نحو يجعل من الصعب على أي خليفة مضاهاة ذلك، على الأقل في البداية”.

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *