كورونا..فيروس أرهب العالم

كورونا..فيروس أرهب العالم

- ‎فيافتتاحية
780
0
محمد واموسي
محمد واموسي
محمد واموسي،رئيس تحرير صحيفة الدولية

من شاهد الهلع الذي اجتاح العالم بعد ظهور فيروس كورونا المتجدد في الصين و ما رافقه من عمليات حجر صحي لمدن بأكملها بسببه، عليه أن يستحضر القدرة الإلهية للرب العظيم، و الضعف المتناهي للانسان على الرغم من التقدم العلمي الذي وصل إليه،فها هي الصين بعظمتها و جلالة قدرها و تطورها و تقدمها و قوتها تقف عاجزة عن وقف زحف و انتشار فيروس غير مرئي رغم عزلها لمدن بأكملها عن العالم الخارجي.

مشاهد الناس و هي تتساقط كاوراق الشجر في الطرقات في الصين جراء إصابتها بفيروس كورونا المتجدد تناقلها كل العالم،فأصابت الناس بالهلع و الخوف و الرعب،خاصة و أن أعراض الفيروس لا تتوقف عند ارتفاع درجة الحرارة و الإسهال و القيء،بل تتعداها إلى ضيق التنفس و وهن العضلات، والسعال الشديد لدرجة الإختناق المفضي للموت.

الفيروس الغامض القاتل ،جعل السلطات الصينية تستعين بالجيش و تغلق مدنا بأكملها و تعطل حركة الدخول و الخروج من المدن المصابة،و تشل حركة المواصلات الجوية و البرية و السككية،بل و تضع الملايين من الصينيين رهن الإقامة الجبرية في بيوتهم، و تغلق جميع أسواق اللحوم، و توجه الناس نحو الاقتتات على الخضروات فقط.

قيل الشيء الكثير عن أصل الفيروس و فصله و نوعه و مصدره و خطورته،خاصة ما يتعلق بقدرته على الإنتقال من الإنسان إلى الإنسان،و قصته بالتفسير الممل بدأت مطلع العام الجاري كالتالي :

كانت الحياة تسير بشكل طبيعي في مدينة “ووهان” عاصمة مقاطعة هوبي،الطقس صحو و خطوط السير مزدحمة، و الأسواق ممتلئة و الحياة في طبيعتها الروتينية العادية، و لا يوجد ما يثير قلق الناس أو خوفهمـ إلى غاية بداية شهر ديسمبر من العام الماضي 2019،حين شعر  عاملون في محل لتربية الحيوانات و بيعها بغرض استخدامها في إعداد و تحضير وجبات في مطاعم شعبية مثل الأفاعي و الخفافيش و الفئران و الحشرات، من “التهاب رئوي”،اضطروا معه إلى التوجه نحو المستشفى،غير أن الأطباء عجزوا عن تحديد نوع الإلتهاب الذي أصابهم و عادوا إلى بيوتهم و عملهم و كأن شيئا لم يحدث مع تناول أدوية ضد الإلتهاب.

غير أن السلطات الصينية بدأت تتفطن لوجود وضع غير عادي حين استقبلت المشفيات في مدينة “ووهان” أكثر من 100 حالة غامضة مماثلة في فترة قصيرة،و مع ذلك رجح المختصون إصابتها بتسمم غذائي تسبب لها في حدوث التهاب، إلى أن جاء يوم الثلاثاء 31 ديمسر، أي اليوم الأخير من العام الماضي، حين استقبل مركز طبي حالة مرضية غير عادية تعاني التهابا شديدا سرعان ما فارقت صاحبتها الحياة جراء معاناتها من ضيق التنفس و السعال الشديد.

دفع الفضول الأطباء و المختصين إلى دراسة هذه الحالة جيدا،و استخرجوا عينات من اللعاب و الدم لتحليلها على أعلى درجة في مختبرات طبية متقدمة و أكثر تطورا،فاكتشفوا فيروسا يشبه إلى حد ما فيروس السارس الذي كان قد ظهر في العام 2003 من جهة، و يشبه بنحو 70 في المائة فيروس كورونا من جهة تانية، علما أن هذا الأخير لا يضم إلا ست سلالات قادرة على الإنتقال إلى الإنسان من الحيوان،ما يعني أنهم وجدوا أنفسهم في النهاية أمام سلالة سابعة من الفيروس غير معروفة من قبل،فأطلقوا عليه اسم (nCoV-2019).

سلالات فيروس كورونا القادرة على الإنتقال للبشر،تهاجم الجهاز التنفسي للإنسان خلال فصلي الشتاء و الربيع،و أعراضها تتراوح بين نزلة برد خفيفة و الموت، و مصدرها الحيوانات،لكن الخطير في الأمر أن جميع سلالات فيروس كورونا رغم تمكنها من قتل حالات أصيبت بها منذ ظهورها،إلا أن المطمئن في الموضوع أن السلالات الستة الموجودة تنتقل بصعوبة من شخص مصاب إلى آخر سليم،كما أن بعض اللقاحات التي جرى تطويرها في المختبرات الطبية نجحت فعلا في القضاء على الفيروس و محاصرته،بينما السلالة السابعة التي لا يعلم عنها العالم شيئا و ظهرت فجأة في الصين تنتشر بسرعة مهولة بين الناس و تقضي على حياة المصابين بها في من قصير.

مع بداية شهر يناير من العام الجاري 2020،كشر الفيروس المتجدد عن أنيابه،و انتشر بشكل سريع و مخيف ما جعل المنظمات الطبية الصينية تدق ناقوس الخطر في مواجهة تكثم السلطات الصينية التي كانت تخشى تداعيات كارثة صحية على اقتصادها،و مع ذلك لم تصمد الدولة الصينية كثيرا،فتحركت أمام جدية الموضوع و أطلقت حملة طبية لمواجهة الفيروس مع التقليل من مخاطره إعلاميا،فكانت النتيجة أن تفاقم الوضع أكثر و قفز عدد المصابين من 150 الى 541 حالة يومية، و تمكن الفيروس من رفع عدد القتلى من حالة واحدة إلى 17 في مدة زمنية قصيرة.

وضع يتطلب إذن المزيد من الإجراءات،جعل الحكومة الصينية تعجل بإعلان حالة الطوارئ و إعتبار الفيروس وباءا محليا،بعد أن تأكد لها و بالدليل أن الفيروس الجديد قادر على الانتقال بين بني البشر و ليس فقطر من حيوان إلى إنسان،و هي التي كانت تكتفي بعزل الحيوانات المشكوك في أمرها عن الناس و التخلص منها.

اعتقدت الدولة الصينية للوهلة الأولى أن الفيروس سيظل محاصرا في منطقة ظهوره،لكنه سرعان ما انتشر بشكل واسع في منطقة جغرافية واسعة في البلاد، و زحف على كامل مقاطعة ” هوبي” فارتفع عدد المصابين فجأة إلى  883 حالة،بمعدل  300 حالة في يوم واحد فقط،وضع كارثي دفع بالسلطات الصينية إلى رفع حالة الطوارئ العادية إلى الدرجة القصوى، و هي ترى أعداد المصابين بالفيروس و المتوفين بسببه في تزايد مستمر،فخرج الرئيس الصيني شي جين بينغ، و لأول مرة أمام وسائل الإعلام العالمية و شاشات القنوات التلفزيونية التي تنقل عاجل البرقيات عن المرض الغامض،ليخبر العالم و بنفسه بأن انتشار وباء الالتهاب الرئوي الفيروسي “كورونا” المتجدد “يتسارع”، ويضع الصين في “وضع خطير جدا”.

بدأت حملات حالة الطوارئ بتوزيع ملايين الكمامات الطبية على السكان في كل البلاد مجانا،و اتخذت السلطات قرارا مستعجلا بإغلاق جميع أسواق المأكولات البحرية و اللحوم بعد ظهور دراسات ترجع ظهور الفيروس إلى حساء الخفافيش الشعبي في الصين، و طالبت الدولة الناس بشراء الخضراوات فقط لاستهلاكها غذائيا و الابتعاد كليا عن اللحوم البيضاء و الحمراء و الغريبة،و أخبرتهم بصحيح العبارة أن البلاد مقبلة على مواجهة وباء.

استجاب الناس للنداء المخيف لحكومة بلادهم، و هرولوا نحو المحلات التجارية و أسواق الخضر لشراء أكبر كمية منها وسط ازدحامات و تدافع نتيجة الخوف من نفاذ المواد الغذائية من الأسواق.

و الطامة الكبرى أن السلطات الصينية وجدت نفسها أمام مصيبة تانية،فرغم أوامرها الناس بإرتداء الكمامات الطبية،إلا أن أغلب الحالات التي تساقط أصحابها في الشارع جراء الإصابة بالفيروس كانت تضع كمامات طبية ما يعني أن الفيروس قادر على التسلل إلى الجهاز التنفسي للناس رغم الكمامات،فاتخذت الحكومة قرارا أكثر تطرفا يقضي بمنع المواطنين من الخروج و الدخول،و استدعت الجيش و القوات العمومية لإغلاق مدينة “أووهان” بأكملها و معاها سبع مُدن مجاورة لها،و تولى أفراد القوات المسلحة الصينية عملية إيصال إمدادات الأقنعة و الأدوات الصحية و الأطعمة إلى الناس في بيوتهم،و أشرف العسكر بأنفسهم على إدارة المستشفيات في المناطق المحاصرة وسط توقعات بأن يكون الفيروس الجديد قد نال من أعداد مهولة.

بدأت الصين سباقها ضد الفيروس و رفعت عدد المدن المغلقة إلى 12 مدينة،و عزلت أكثر من 50 مليون شخص من شعبها عن العالم،مع رصد كل الإمكانيات و الطاقات لإمكانية رفع عدد السكان المعزولين إلى 100 مليون نسمة ، أي ما يساوي عدد سكان دولة مثل مصر.

و رغم كل الإجراءات المتطرفة و الاحترازات الأمنية و الصحية،لم تنجح الحكومة في منع تسلل الفيروس إلى الخارج،فقد ظهرت حالات إصابة به في بلدان عدة حول العالم،بينها أستراليا و اليابان و كوريا و تايلاند و فرنسا و النمسا و كندا،و لو نجح الفيروس في الانتشار أكثر في هذه البلدان لتحول الأمر فعلا إلى كارثة وبائية عالمية.

في هذا التوقيت كانت منظمة الصحة العالمية تدرس إمكانية إعلان الفيروس المتجدد الذي ظهر في الصين وباءا عالميا من عدمته،بينما سابقت دول أوروبية و عالمية الزمن لنشر فرق طبية متخصصة في مطاراتها و فحص حرارة المسافرين القادمين من الصين و من الدول المصابة،بل و من الدول الأوروبية من أجبر طائرات صينية بكاملها على العودة أدراجها إلى الصين للإشتباه في وجود مصابين على متن ركابها.

هنا اتخذت الصين قرارا بإقفال المطارات و محطات القطار و المترو و الحافلات و منعت السفر من و إلى المدن الموبوءة، و ألغت جميع احتفالات البلاد بالسنة الصينية الجديدة لعلها تقلل من حجم الخسائر، و رغم ذلك كانت حالات الإصابة بالفيروس و الوفيات الناجمة عنه في ارتفاع مهول،فبلغت حتى صباح الأحد 26 يناير نحو 1979 إصابة ،بينما فارق الحياة 56 مريضا و ارتفع عدد السكان الذين وضعوا رهن الإقامة الجبرية داخل مدن معزولة نحو 56 مليون شخص.

و رغم حملة الحجر الصحي الواسعة ازدادت حالات الإصابة ساعة بساعة،بما يفوق قدرة المستشفيات و المراكز الطبية على الإستيعاب،فأطلقت الحكومة الصينية تحديا فريدا من نوعه،لتشييد و بناء مستشفى ضخم خلال 10 أيام فقط في مدينة “ووهان”، لمواجهة فيروس كورونا المتجد المتفشي، من المتوقع الانتهاء من الأشغال فيه يوم 3 فبراير المقبل.

زادت الحالات المصابة و كذلك الوفيات،و تأكد للعالم أن عدد المصابين الحقيقي ربما يفوق بكثير الأرقام الرسمية المعلنة،و اتخذت دول عدة قرارات بمنع مواطنيها من السفر إلى الصين و لو بغرض السياحة خوفا من الإصابة بالفيروس،كما أن السلطات الصينية عمدت إلى إغلاق سور الصين العظيم و كثير من المواقع السياحية المعروفة للحد من الكارثة.

مؤشر اقتصاد الصين تدرج نحو الأحمر،و هوت بورصة بكين بسبب الإغلاق المتكرر لها،رغم أنها صمدت و قاومت كثيرا نتيجة إعلان الحكومة الصينية خوض تحدي بناء مستشفى بمساحة ملعب لكرة القدم،مخصص بالكامل لاستقبال المصابين بالفيروس  في غضون 10 أيام فقط.

لكن الطامة الكبرى، أن أعدادا كبيرة من سكان مدينة “ووهان” تمكنت فعلا من الهروب من المدينة قبل عزلها عن العالم نحو باقي مناطق البلاد،فور إعلان منظمة الصحة العالمية أنها قد تطالب العالم بالاستعداد لوباء محتمل بسبب كورونا، و ما عزز صحة الفرضية لدى السلطات التراجع الكبير في استهلاك الأنترنيت في المدينة، ما يعني أن وضعا أكثر سوءا ربما يطل برأسه من أي منطقة أخرى في الصين و في أي لحظة.

لا يوجد لقاح أو مصل مضاد للفيروس حتى لحظة كتابة هذه السطور، لكن توجد طُرق للوقاية من الإصابة به و هي: غسل اليدين باستمرار بالماء و الصابون أو منظف طبي أو معقمات مصنعة من الكحول على الأقل لمدة 20 تانية و عدة مرات في اليوم،عدم ملامسة الأنف و العينين بأيادي متسخة،تجنب ملامسة أي شخص مصاب أو مشكوك في إصابته بالزكام كيفما كان نوعه،أو مشاركة أدواته.

و الأهم من ذلك كله، في حالة ظهور علامات شبيهة بأعراض فيروس على أي شخص (سعال،ضيق في التنفس،ارتفاع درجة الحرارة،قيء و إسهال..)،يجب تجنب التوجه مباشرة إلى المستشفى لتجنب نقل العدوى للآخرين،بل يجب البقاء في عزلة داخل البيت و الابتعاد عن باقي أفراد العائلة ما أمكن،و الاتصال هاتفيا بمصالح الطوارئ الطبية أو الإسعاف للمجيء و القيام باللازم مع اتخاذ كل الاجراءات الطبية و الاحترازات الصحية الضرورية.

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *