التعليم عن بعد..جلطة عن قرب

التعليم عن بعد..جلطة عن قرب

- ‎فيافتتاحية
411
0
محمد واموسي
محمد واموسي ، رئيس تحرير الدولية
أتفهم جيدا مخاطر فيروس كورونا على التلاميذ و الطلبة،و أدرك جيدا أن التعليم عن بعد حقق نتائج إيجابية في دول متقدمة،بل و هو واقع يفرض نفسه ليس مؤقتاً فقط بسبب كورونا، و لكن أيضا لأن هذا النمط من الحياة قادم لا محالة،سواء قبلنا أو رفضنا، و المستقبل سيكون لكل ما هو رقمي،لكن هل نحن وفرنا الشروط الضرورية لذلك ؟ طبعا ليس بعد.
التعليم عن بعد خيار مهم في زمن جائحة كورونا،نحن نعرف أننا كأولياء أمور وكذلك طلبة لا نعتبره ذلك خيار مثاليا في التعليم. من وجهة نظري أنه يصلح أن يكون أداة تعليمية إضافية لا أساسية.

المدرسة تهيء للتلميذ كل الظروف المناسبة ليس للتعلم فقط،بل أيضا لبناء الشخصية و صقلها و تعلم أبجديات العمل الجماعي، كما أنها المكان الذي يتعرف فيه التلميذ على الأقران و يشرع في سماع الرأي الآخر، و يتعلم فيه المهارات و مبدأ التنافس الذي يقود للإبداع،لذلك فإن التعليم عن بعد لوحده لا يقدم كل هذا و لا يجب أن يكون البديل الوحيد.

فكرة التعليم عن بعد في رأيي قرار غير موفق لأننا لم نصل بعد لمستوى ما سجلته تجارب تعليمية أخرى رائدة في العالم، خاصة لتلاميذ المستويات الأساسية أو الأولية و التمهيدية،لأن الهدف في هذه المرحلة ليس التعليم بحد ذاته،و إنما استئناس التلميذ و تعوده على وجود زملاء آخرين له، و مشاركتهم المكان و الزمان و الأشياء،كما أنه من غير المعقول أن يدفع الكثير من الآباء رسوما للمدرسة،ليتولوا هم بأنفسهم التدريس نيابة عن رجال و نساء التعليم.

لابد أن ندرك جميعا بأن وجود الطالب في المدرسة ليسه هدفه التعليم فقط، بل بناء للشخصية وتعلم مهارات سلوكية و اجتماعية وبناء للذات،لذلك أعتقد حسب رأيي التواضع بأن التعليم عن بعد لن يكون الخيار الجيد في هذه المرحلة، و الأفضل إيجاد صيغة بديلة تجتمع فيها أركان العملية التعليمة الثلاث و هي: الطالب و المعلم والمنهج الدراسي.

التعليم عن بعد عندنا ليس حلا،فهو نظام فاشل بكل المقاييس،لأن انظام التعليمي الذي وضعته الدولة،ليس فيه أصلا مواقع ممتازة و مناسبة و جذابة، و لا “سيرفرات” تتحمل، و أغلب الأسر ليس عندها أنترنيت،و إذا توفر لها فأغلبهم الشبكة عندهم ضعيفة، و كثيرون ليسوا لهم أدنى معرفة بالتقنية، و فرض الحضور و الالتزام و التركيز على التلاميذ و الطلاب ليس مضمونا.

لم نصل بعد لما وصلته دول متقدمة في مجال التعليم عن بعد حتى نسارع إلى تبنيه دون تحقق شروط نجاحه.

التعليم عن بعد ليس شاشة تضعها أمامك و تتواصل عبرها مع المعلم، فهو أبعد من ذلك،التعليم عن بعد يحتاج ترسانة من الأدوات المختلفة و التكنولوجيا المتطورة، و الأهم من ذلك “معلما” مهيئا لتوصيل المعلومة.

الحل الذي أقترحه هو تطبيق نظام المحاصصة عبر الدراسة بفوجين، يقسمون التلاميذ الى قسمين، قسم يدرس الإثنين و القسم الثاني الثلاثاء، و الأربعاء تعقيم الفصل، ثم الخميس الفوج الأول و الجمعة الفوج التاني و هكذا، مع تعقيم كل المدرسة يوم الأحد.

تقسيم التلاميذ و الطلاب الى فوجين سيحقق التباعد الجسدي داخل الفصول و يحقق الهدف، إذا اقترن بفرض الكمامة على الجميع و السهر على احترام إجراءات الوقاية و توفير المعقمات في جميع الفصول الدراسية و مداخل المؤسسات التعليمية.

لا يمكن ترك أبناء الناس عرضة للضياع بسبب فيروس لا نعلم متى ينتهي، و التعليم عن بعد ليس بديلا لأنه نظام فاشل مهما كان نوعه و لن يجدي نفعا، و لا بد من التعايش مع الفيروس.
و بما أن العام الدراسي الجديد قارب على الإنطلاق،في وقت تتجه فيه دول عربية نحو خيار التعليم عن بعد،يتوجب على أولباء و آباء الطلاب و التلاميذ أن يعلموا بأن الكتاب المدرسي و الدفتر و القلم هي الأساس في التعليم، و ليس الكمبيوتر أو الآيباد أو الهاتف المحمول.

لابد من وضع وقت يومي للدراسة دون وقت الفراغ، فالتعليم عن بعد يفترض أن يكون وقتا للجد و التعلم و ليس إجازة للهو و اللعب و الترفيه.

التعليم عن بعد معناه رمي المسؤولية الكاملة إلى الآباء،لذلك فإن التعب سيكون كبيرا و خصوصا للمستويات الابتدائية، لذلك علينا أن نتحمل و نتحلى بالصبر و لا نضغط على أنفسنا.

المعلومة عادة يكررها المعلم في المدرسة أسبوعا كاملا، و يوصولها للمتلقي من خلال تمارين و أساليب تربوية، و هي لا تصل ما لم يبد الطالب أو التلميذ استعدادا نفسيا لتلقيها،و كل هذا لتيسير الفهم،لذلك علينا ما أمكن أن نتجنب الغضب إذا لم يتم الفهم بسرعة.

علينا أن لا نتحمس بشراء أجهزة إلكترونية لغرض التعليم ، فالحماس الزائد يأتي بنتائج عسكرية،طذلك علينا أن ندرك بأن بعض الدروس سيتم بثها على قنوات تلفزيونية بعينها و ستعاد كل اليوم ، و أيضاً يتم نشرها على موقع يوتوب، و قد يحتاج الطالب الدخول للمدرسة الإفتراضية ليجيب على بعض الأسئلة إذا وضعها المعلم أو إذا أراد الإستفسار منه .

لابد أن نعي بأن التعليم الأساسي يعتمد قبل كل شيء على تجميع التركيز و تجنب تشتت انتباه التلميذ،لذلك لابد من تهيئة التلاميذ نفسيا و جسديا من خلال ترتيب ساعات نومهم و عدم السماح لهم بالسهر ليلا،بمعنى لابد أن يقتنع التلميذ بان الإجازة الصيفية انتهت و حانت ساعة العمل و الجد.

فيروس كوفيد 19 أظهر لنا أن نسبة كبيرة جدا من العائلات غير موصولة بالإنترنت،و جهاز الكمبيوتر في بلداننا في بلداننا قد تجده عند طفل عمره ستة أعوام،و يفتقر إليه طالب جامعي.

التعليم عن بعد ليس في متناول الجميع، لذلك فإن الحكومات و جمعيات المجتمع المدني مطالبة بأن تتعاون لضمان حصول أغلب الطلاب و التلاميذ على أجهزة تعليمية.

و مع ذلك يبقى التعليم عن بعد ليس بديلا ناجحا عن التعليم التقليدي في الوقت الحالي، وذلك لعدم اكتمال إتقان هذه التكنولوجيا و لعدم توفر شروط نجاحها.

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *