محمود الورواري يكتب : جوزيف بايدن و قيادة العالم

محمود الورواري يكتب : جوزيف بايدن و قيادة العالم

- ‎فيرأي في حدث
160
0
محمود الورواري،صحافي و إعلامي مصري

أيام قليلة تلك التي تفصل جوزيف بايدن عن قيادة القاطرة الأمريكية، تلك المسافة الزمنية سيكون عنوانها الأبرز هو التحليل والتوقع رغم أن الرجل ليس غريبا عن دولاب السياسة الأمريكية فقد خبرناه وجربناه سنوات طويلة بين سيناتور ونائب للرئيس أوباما.

لكن الفرق كبير جدا بين أن تكون الرجل الثاني وأن تكون الرجل الأول الجالس خلف المقود.

محمود الورواري
محمود الورواري

بايدن كأنه أحس بما يدور في خلد الجميع فنشر مقالا في مجلة “فورين أفيرز الأمريكية” في عدد مارس/أبريل تحت عنوان: “لماذا على أمريكا أن تقود من جديد؟”، والذي يستعرض فيه ملامح السياسة الخارجية التي يعتزم انتهاجها في حال وصوله إلى البيت الأبيض كرئيس للولايات المتحدة، والذي يقول فيه:

“تضاءلت مصداقية ونفوذ الولايات المتحدة في العالم بكل المقاييس تقريباً منذ أن ترك الرئيس باراك أوباما، وأنا كذلك، البيت الأبيض، في 20 يناير 2017. لقد ازدرى الرئيس دونالد ترامب حلفاء الولايات المتحدة وشركاءها، ونال منهم، وفي بعض الحالات تخلى عنهم. كما انقلب على خبرائنا في المخابرات ودبلوماسيينا وقواتنا؛ وجرّأ خصومنا وبدد نفوذنا في مواجهة تحديات الأمن القومي من كوريا الشمالية إلى إيران، ومن سوريا إلى أفغانستان إلى فنزويلا، مع عدم وجود ما يدعو إلى ذلك أبداً. كما شنّ حروباً تجارية طائشة ضد أصدقاء الولايات المتحدة وأعدائها على حد سواء، مما أضر بالطبقة الوسطى الأمريكية. وتخلى ترامب أيضاً عن قيادة الولايات المتحدة الأمريكية للعالم في حشد الدول من أجل العمل الجماعي لمواجهة التهديدات الجديدة، وخاصة تلك التي ينفرد بها هذا القرن من الزمان. والأنكى من ذلك، أنه ابتعد كثيراً عن القيم الديمقراطية التي تمنح القوة لأمتنا وتوحدنا كشعب”.

“وإذا أصبحت أنا الرئيس القادم، فسأتخذ خطوات فورية لإحياء ديمقراطية الولايات المتحدة وتجديد تحالفاتها، وحماية المستقبل الاقتصادي للبلاد؛ وسأجعل أمريكا تقود العالم من جديد. هذه ليست لحظة خوف. هذا هو الوقت المناسب للاستفادة من القوة والجرأة التي دفعتنا إلى النصر في حربين عالميتين وأسقطت الستار الحديدي”.

هنا انتهى كلام “بايدن” وسأقف عند نقطتين:

الأولى: سأجعل أمريكا تقود العالم من جديد.

الأخرى: سأتخذ خطوات فورية لإحياء ديمقراطية الولايات المتحدة.

طبعا هو وضع مجموعة خطوات ومراحل لتطبيق خطته في الخروج والنهوض مرة أخرى، وحدد أول خطوة لذلك وهي تجديد الديمقراطية الداخلية وإصلاح الوضع الداخلي، ثم انتقل بعد ذلك إلى السياسة الخارجية للفئة المتوسطة.

ثم تحدث عن العودة إلى رأس الطاولة كما يقول ويعبر، في هذا الجزء أوجز بعض المعايير التي يمكن أن تساعدنا في فهم تفكير الرجل، أولها الإقرار بأنه يمتلك أقوى جيش في العالم وأنه سيحافظ ويفتخر به وسيدافع عن مصلحة أمريكا مهما تطلب الأمر ذلك، لكنه في الوقت نفسه يؤكد أنه سيعطي ويفسح المجال للدبلوماسية لتكون هي المحرك واللاعب الأول، وهذا كلام قد يطمئن البعض لأنه يوضح أساليب فرض نظرية القوة بأنها لن تكون عسكرية بل دبلوماسية.

كما أنه يضيف إلى ذلك نيته إعادة الجنود الأمريكيين المنتشرين في العالم كما في أفغانستان والعراق وغيرهما من مناطق النزاع في الشرق الأوسط، فالاستمرار في صراعات من الصعب حسم نتيجتها يعتبر عبثا لا يجب أن نغرق فيه مرة أخرى.

بالإضافة إلى ذكره موقفه من محاربة داعش والقاعدة، فهذا قرار لن يتراجع عنه وسيستمر فيه رغم تحفظاته حين كان نائبا لأوباما عن تصفية أسامة بن لادن.

إذا فكرة أمريكا تقود العالم وإحياء الديمقراطية الأمريكية ما هي إلا مجرد عنوان قد يحمل في تفاصيله الكثير من القلق والتساؤلات.

أولها أية ديمقراطية يقصد؟

ولما لم يذكر لا من قريب ولا من بعيد “مصطلح الليبرالية الأمريكية التي هي عصب السياسة والقيم الأمريكية منذ زمن بعيد؟ هل هي “ليبرالية” جون كينيدي أم ليبرالية “روزفلت” أم ليبرالية بوش الأب أو بوش الابن وهذا هو بيت القصيد.

الديمقراطية الأمريكية في فهم بوش الابن جعلت البعض يراها شبحا مخيفا وكابوسا لمعاقبة الأنظمة والدول بحجة التدخل في شؤون الدول واحتلالها كما حدث في أفغانستان والعراق.

هل الزمن الذي سيقود فيه بايدن أمريكا في 2021 هو زمن يسمح بنشر الديمقراطية أو تعزيزها أو فرضها بالقوة تحت شعار محاربة الاستبداد ونشر الحرية؟

الزمن والحالة السياسية العالمية تغيرت تغيرا جذريا أوروبيا وشرق أوسطيا وعربيا، في أوروبا علت موجة القوميات في مواجهة التكتلات الدولية والكيانات العولمية، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي جزء لنموذج التقوقع القومي.

ما حدث في العالم العربي منذ 2011، بعد موجات ما سُمي بـ”الربيع العربي” الأولى والثانية، جعل الكثير من الشعوب في هذه الدول، تفضل الديكتاتورية على انهيار وخراب الدول وتفتتها.

قيم الديمقراطية التي فرضها بوش الابن في بداية الألفية الثانية تغيرت تماما في العالم، بل وفي الداخل الأمريكي، كثير من مراكز الأبحاث التي حللت أسباب فوز ترامب 2016 وجدت أن الطبقة الاجتماعية والشرائح المجتمعية التي انتخبته هي تلك التي كفرت بالقيم الأمريكية التي روّج لها الديمقراطيون والجمهوريون على السواء، تلك الشرائح التي كفرت بنموذج أمريكا القائدة التي تحارب طواحين الهواء وتسعى لفرض نماذج للديمقراطية وتغرق شعبها في كثير من المشاكل والحروب.

لذا كان ترامب ومرحلته تلك، السنوات الأربع التي مرت على الأمريكيين بمثابة صدمة قاتلة ومرحلة فاصلة بين زمنين وبين مفهومين لفهم تغير القيم الديمقراطية الأمريكية.

ترامب نفسه شكك في كل القيم الديمقراطية التي تعمل على التوسع العولمي، بل شكك في نزاهة المؤسسات نفسها، وأعاد تفكيك كل الاتفاقات وجعل كل القيم قابلة للنقاش، وبالتالي إذا أراد بايدن “أن يعيد القيم الأمريكية سيكون السؤال عن أي ديمقراطية يتحدث؟ ديمقراطية بوش الابن أم ديمقراطية أوباما التي أدار فيها ظهره لحلفائه؟

سيكون على بايدن الوقوف كثيرا أمام المصطلحات وإعادة تدوير القيم تبعا للزمن الحالي وليس تبعا لما ورثه من مفهوم صاغه من سبقوه في سنوات طويلة.

ولننتظر..

‎إضافة تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *